Friday 15th of November 2019 12:10:28 AM

مقاوم قديم.. في زمن التبجّح

الدكتور خالد العزّي
نقلاً عن صفحته على الفايسبوك
26 ايار 2019

في ذكرى هذا اليوم أتوقف لأنظر بصمت الى تلك الأيام الصعبة التي عملنا فيها بدون ضجيج مع العديد من الشباب الافياء الطيبون الذين قدّموا كل مالديهم لهذه الارض الطيّبة. فمنهم من رحل الى عالم ثاني ومنهم من ترك الوطن ليجد بديلاً له ومنهم ما يزال يبحث عن وطن... لكن لم يجدونه لأن حلمنا سرق و بيع بالدولارات الخارجية... اعتُلقت مع الكثيرين من الأبطال المقاومين، حيث جسّدوا في اعتقالهم أجمل صورة تحمل في طياتها الكثير من المعاني. التقيت البعض منهم وأترحّم على البعض واتواصل مع اخرين في عالم الاغتراب... ولايزال العديد منهم في ذاكرتي التي لم تعد تَعرف وجودهم ووجههم ... بسبب النسيان... لقد تعاملت مع قيادات طيّبة ونظيفة وأمينة حمت نضالنا وحمتنا بجفون عيونها واخرى كانت تستخدمنا كجسور للوصول لمطالبها. منهم من رحل ومنهم لايزال ينتظر دوره ومنهم مَن غيّر موقع البندقية ومنهم من تخلّى عنا بسبب غاياته الشخصية ... اتذكر كل تلك الايام الماضية واتذكر كل الشباب والاصدقاء والمعارف في اماكن الاعتقال والسجون والاودية والجبال والبيوت المهجورة والسريّة والطرقات والمخابئ وحتى احياناً ازور المقابر... ولكن في الكثير من الاوقات احاول عدم التذكُّر واحاول ان انتزع كل تلك الايام الشديدة والاوقات الصعبة من ذاكرتي واحاول عدم تذكُّر الماضي والتحدث عنه لأني حزين ومكتئب... لا اخاف من الماضي لانه ماضي مشرق، ناصع بكل تفاصيله وسردياته، بل لان التفاصيل تزعجني بسبب الكثير من الألم... ويمكن احدى هذه الآلام هو تبجّح الكثرين، اليوم، عن تلك الايّام البطولية التي كانت لنا ايام مشرقة ومشرّفة، حيث كان ابطال اليوم يتّهموننا بالمغامرين حين قاومنا المخرز بالعيون القوية التي كانت تضيئ لنا تلك المرحلة والتي كانت للكثرين مرحلة خوف وتعاسة وانهزام وقد هرب منها العديد واستسلم لها العديد... مغامرون صغار لا يعرفون سوى الحب والحرية لكون المقاومة كانت لنا فعل حبّ وكنّا جميعاً عشّاق كبار.... قاتلنا، استشهدنا، خفنا، نزفنا، جعنا، شتمنا، ضحكنا تسامرنا، وتناقشنا، وكان حديثنا واحد غداً سنعود ونُكمل الموضوع... لكن افعالنا كانت تقوم على قاعدة الموت للعدو والبقاء لنا نحن المقاومين، نحن ابناء الارض، نذهب نرويها بدمائنا، شباب في ربيع العمل يسقطون في اراضي الوطن الجائعة للحب والحرية.... لم يكن يواسينا في خوفنا ووحدتنا سوى كتابات الياس خوري في النهار واغنية فيروز "صخرة جبل عامل" وطبعا البقيّة تنكّرت لنا وباتت تفتّش عن باب رزقها من الجنوب او الشرق... فتح لنا العدو معتقل لكي يربِّينا في داخله بحجز حريتنا، فكان المعتقل مدرسة للتحدي. أُجبر على اخراجنا بالتبادل وفتح معتقل جديد تحديناه من جديد ليكون المعتقل مكانا جديدا للتحدّي والعنفوان ٠٠٠٠ احتجز جثثنا واخفاها في مقابر الأرقام لكننا رفضنا همجيته وتعسّفه ضدنا. وكان استمرارنا بالتحدي والاصرار على المتابعة باننا سنعتقل منه ونبادلهم برفاقنا الموتى.... كنا نتفنّن في المقارعة والمقاتلة والمقاومة حتى بات ينفذ صبره من مقارعتنا ... لأن "جَمّول" رفعت شعارها من ١٦ ايلول ١٩٨٢ بأن الوطن باقٍ والاحتلال الى زوال..... خسرنا كل مالدينا ولكن ربحنا أخلاقنا ووطنيتنا.... تحيّة لكل الاحياء والاموات من ابطال "جمّول" في عيد التحرير....