Friday 15th of November 2019 12:59:15 AM

مصطلحات للمخاطبة..

أخطاء شائعة / المقال (4)
بقلم خالـد حميـدان رئيس مركز التراث العربي
27/6/2019

يرتبط مضمون هذا المقال بما سبقه في المقال الثالث بحيث يتناول مصطلحات المخاطبة الكلاسيكية المعتمدة لدى غالبية المثقفين والإعلاميين خصوصاً، التي كانت تصلح في العصور القديمة ربما، ولكن ليس في هذا العصر الذي يشهد قيام حركات التحرر في العالم وانتشار الإيديولوجيات المتطورة التي تتناول حريات وحقوق الإنسان. وقد يرى البعض فيما أقول بعض المبالغة لكنني أشدد القول وأضيف بأن الذي جعلنا نتمسك بهذه التقاليد البالية رغم تخلي المجتمعات المتقدمة لها، هو الخوف على مواقعنا وامتيازاتنا التي حصلنا عليها بفضل الأنظمة الجامدة في بلادنا ونجازف بها إذا ما نحن تخلينا عن التقاليد.
وقبل الدخول بتفاصيل هذه المصطلحات أود أن أنقل تجربتي المتواضعة في هذا المجال: لقد جرت العادة أن نقيم احتفالات ثقافية في مدينة تورنتو باسم "مركز التراث العربي" أو أن ندعى إلى احتفالات مماثلة حيث يكون لنا كلمة نلقيها بالمناسبة. وفي كل مرة كنت أبدأ الكلام مباشرةً في صلب الموضوع دون مقدمات كما يفعل الآخرون، أي دون ذكر أصحاب السماحة والمعالي والسعادة والفضيلة وسيداتي سادتي.. والسبب بكل بساطة لأنني لا أرغب بالكذب والتفخيم والتبجيل. فهل من أحد يشرح لي لماذا عليّ أن أذكر هؤلاء بألقابهم وأسمائهم وهم حاضرون أمامي "يسمعون ويقشعون وأحياءٌ يرزقون".. هل أنني سأخصهم بغير الكلام الذي سألقيه على الحاضرين من الناس.. أم أن اللياقة الاجتماعية وأدبيات المخاطبة توجب عليّ ذلك؟
لا شك أن استخدام المصطلحات هذه ترتبط إلى حد كبير بالعادات التي كانت تحكم العلاقات بين الحاكم المتسلط والمحكوم الضعيف وقد نشرها المستعمر على مساحة الوطن بحيث أصبحت تقليداً يعمل به الكبير كما الصغير والقوي كما الضعيف، وأهم عنصر فيها أنها تقوم على الكذب والخداع.. ومثال ذلك ما جاء في مقدمة رسالة مؤرخة في 30 آب 1915 من «مكماهون» المندوب السامي البريطاني إلى الشريف الحسين حيث يقول فيها: «إلى الحسيب النسيب، سلالة الأشراف وتاج الفخار، فرع الشجرة المحمدية والدوحة القرشية الأحمدية، صاحب المقام الرفيع والمكانة السامية، السيد ابن السيد والشريف ابن الشريف، السيد الجليل المبجل، دولة الشريف حسين باشا سيد الجميع، أمير مكة المكرمة، قبلة العالمين ومحط رجال المؤمنين الطائفين، عمت بركته الناس أجمعين. أما بعد..»
كل هذا التبجيل والتبخير، بل قل «التدجيل»، جاء في المقدمة قبل الدخول بصلب موضوع الرسالة.. لم يكن الانكليز بالطبع ليتوقفوا عند الشكل وجل ما كانوا يرمون إليه هو استخدام الحيلة أيا كان السبيل إليها للفوز بثقة الحسين حتى ينصاع هذا الأخير لمؤامراتهم.. تستخدم مصطلحات التفخيم اليوم على لسان الإعلاميين في محاورة الرسميين من رؤساء ووزراء ونواب وغيرهم، وكأنه لزام عليهم في وقت يعملون فيه على تكريس الطبقية. وقد يغامرون بوظيفتهم إن هم خالفوا التقليد المعمول به لأن الإجراء بحقهم قد يأتيهم من محاورهم بالذات، صاحب النفوذ واليد الطولى. إن كبار القياديين في العالم تخلوا عن ألقابهم وأموالهم ليكونوا قدوة للإنسان في بلادهم. أما نحن، وللأسف، لسنا على استعداد للتخلي عن امتيازاتنا "الرخيصة نسبياً" وإن كان علينا أن نقتل كل الناس في بلادنا.
. Khaled.homaidan@gmail.com