Friday 15th of November 2019 02:41:22 AM

يتصيّدون مارد الجبل بخيوط عنكبوت واهم!

29 تموز 2019

في مقالة تحت عنوان "يتصيّدون مارد الجبل بخيوط عنكبوت واهم" قال الكاتب مروان نجار:
"جغرافيًّا، كنّا واقفَين قرب محيو بين الـ IC ومبنى بلس Bliss Hall في الـ AUB. وزمنيًّا كنت قد عبَرتُ الى الـ AUB وكان وليد في طريق العبور إليها من الـ IC. جغرافيًّا وزمنيًّا كنّا ما بين مدرستنا وجامعتنا. سألتُه: هل ستمشي على درب الأسرة في السياسة؟ قال: لستُ راغبًا في مصير كمصير أجدادي الذين قضوا اغتيالًا على مدى الأزمان. كدت أن أصدّقه. لكن... بعد التخرّج صرت ألتقيه في المكتبات خلف المراجع وأمّهات المصادر. وخصوصًا في مبنى جريدة النهار، الطابق السادس، بين قسم الأرشيف وما كان يُعرَف بالقَصاصات. راقبت عينيه تجحظان فوق الورق باحثتين عن سرٍّ ما. ولم أكن مدركًا طبيعة هذا السرّ. ثمّ بدأت الحروب في لبنان. في إحدى الجولات تقرّر لقاء بين كمال بك جنبلاط والرئيس الراحل الياس سركيس أمِل الناس أن يسفر عن تفاهم يضع حدًّا للعنف. ماذا فعل العاملون على إشعال البلد لينتحلوا صفة الإطفائيّين؟ أتذكرون كيف منعوا حصول اللقاء، ولقاء أيّ ثمن؟ اغتالوا السيّدة ليندا جنبلاط، شقيقة كمال بك، فشغلوه بالحزن وبالمأتم والعزاء. ضحّوا بإنسان ليكسبوا فسحة وقت يستكملون من خلالها لعبتهم القذرة. تذكّرت كلام وليد بين المدرسة والجامعة وأدركتُ له بُعدًا آخر: المصير قائم وقاتم سواء اخترت أن تعمل في السياسة أم اكتفيت بكونك ابن (أو بنت) عائلة من شهداء. ثمّ اغتيل كمال بك. وأُلبس وليد عباءة المعلّم الشهيد. وواجه تبعات المأساة. من أوّل مناورة حُفِرَت له وتجاوزها بذكاء المتمرّسين، فهمت مغزى جوابه لي وما كنتُ قد حسبتُه تناقضًا مع جحوظ عينيه على أمّهات المصادر. وليد لم يقل لي: لا، جوابًا عن سؤالي حول قراره بخوض المجال السياسي على درب أبيه وأجداده، بل قال لي: "لا، لن أسمح لهم باغتيالي كما فعلوا بمن سبقوني من أسرتنا." وقرأ، وتعلّم، وتجهّز، وواجه، وأتقن التعامل مع متعرّجات المتآمرين بمرونة تضع الدهاء في خدمة الولاء وليس العكس. والولاء للجبل، للتربة التي سقتها دماء الأجداد والعمّة والأب وسائر الرفاق. هو فردٌ حمّله الواجب أمانته فجهّز نفسه ليواجه أوركسترا التخطيط والتدمير والتشويه والتخوين ولم يتعثّر في الرقص على تعقيدات نغماتهم القاتلة، بل ظلّ ينهض من كمائنهم بعقلٍ أكثرَ استنارةً وعينين أكثر تركيزًا وتأمّلًا. أليوم يتمسّكون بما نسجوه حوله من خيوط عنكبوتٍ واهم. يريدون اصطياد مارد الجبل بخيوط العنكبوت. يستسهلون أبلسة مسيرته على دروب ألاعيبهم المتعرّجة والمغروسة ألغامًا. يستسهلون رَمْيَه بنعوتٍ يعرفونها كامنةً فيهم. لكنّ المارد يبقى عَصِيًّا على خيوط العنكبوت. والجبل هو الجبل. والعينان تقرآن جيّدًا... وتستشرفان".
المصدر: "الأنباء"