Thursday 21st of November 2019 06:55:57 PM

عن نسخة سمير جعجع المنقّحة

05 آب 2019
تحت عنوان، :عن نسخة سمير جعجع المنقّحة"
كتب وهيب فيّاض:

"ما كنت أحسبني أعيش الى يوم اكتب فيه مثل هذا المقال عن الدكتور سمير جعجع. ما كنت أحسبني ارى في يوم من الأيام، في سمير جعجع صدِّيقا كما يوسف بعد ان رماه اخوته في الجب، وقالوا لأبيه ان الذئب أكله. فلما صار عزيز مصر اعّزهم وهو قوي، متناسيا إساءتهم له وهو ضعيف. ما كنت احسب في عز ايام التقاصف والتراشق بشتى انواع الأسلحة، ان تطلق مدافع كلماتي يوما اسهما نارية تزيّن السماء محتفلة بعيد نسيان الماضي، وفرحة الحاضر، وقوة المستقبل مع حارس المصالحة ووريثها من ابيه الروحي، وشفيعه المثلث الرحمات، البطريرك صفير، المطوب قديسا من الناس، قبل ان تصدر مراسيم قداسته من مراجعها. سمير جعجع مات يوم أسره ثلاث مرات وعاش ثلاث مرات. مات على دين المسيح ليمر في المطهر قبل ان يحاسب على حياته السابقة، وخرج من مطهره نقيا صافيا غاسلا في أسره كل الخطايا والأخطاء ليعود الى الحياة بثوب ناصع ومات على دين الاسلام، ودخل في عالم البرزخ، وعندما خرج منه صار مغفورا له كيوم ولدته أمه ومات على مسلك التوحيد، فتمزقت قميصه البالية بين حياة وحياة وألبسته العزلة والسجن الانفرادي قميصا جديدا ايضا، لتعطيه فرصة الارتقاء في كل مرة يتجدد فيها الخلق، التواق دائما الى الكمال. من اجل ذلك كله كان سمير جعجع اول المعتذرين عن الحرب وأخطائها وخطاياها، مع انه لم يكن المخطيء الوحيد. سمير جعجع عرف كيف يستثمر رأسمال السجن، بالقراءة والتثقف والصبر، فراكم في عالم المعرفة ما مكّنه من الابهار والثبات في الموقف والاداء. سمير جعجع على ما يقول بعض الاجاويد الدروز الذين جلسوا معه، صار فقيها في الاديان، بعد ان علمته سنوات سجنه احترامها جميعا، مع اشتداد إيمانه بمسيحيته، فصار يناقش في التوحيد والإسلام، نقاش العارف العالم، الذي يحترم ابداعات العقل، دون عداء مسبق، بل بايجابية من يرى الاديان، كما يقول احد المشايخ، بركة كل يغرف منها بوعاء دينه ويقول ما اعذب مائي والماء واحد ومن نفس البحيرة. سمير جعجع الذي يستطيع، رغم ان بينه وبين المقاومة ما طرّق الحداد، ان ينتزع من السيد حسن نصرالله ابداء الإعجاب بإداء فريقه السياسي، يستحق ان يصالحه سليمان فرنجية، وان يشهد فيه وليد جنبلاط شهادة حق، وان يحالفه كل السياديين، في زمن الأزمات وعند التهاب المفاصل السياسية، لثباته على الموقف، مهما اشتدت الضغوطات. سمير جعجع عاد الى الجبل على حصان ابيض، بعد حرب خسرها بالسلاح يوما ولكنه عاد ليربحها بالعقل والمنطق والمحبةفي كل يوم، دون ان يسعى الى قلب نتائج الحرب او الثأر لها، فلم يسع الى استفزاز اخر شهيدفي اخر قرية سقط منها شهداءسواء كانوا معه آنذاك او ضده ، ولو برفع علم او شعار، رغم ان الاعلام والشعارات لا تصنع مجدا ولا توزن بميزان القوة، كما انها ليست محرّمة عليه ولا على سواه، اذا كانت ضمن إطار المحبة وصفاء النوايا. سمير جعجع، انا لم اعرفك، ولا التقيتك يوما، مع انني اتمنى، للخوض معك في نقاش يغني، ولكنني احترم نسختك المنقحة والمعدلة والمزيدة، منذ خرجت من سجنك، الذي اريد به ان تكون الحامل الوحيد لتبعات حرب شاركنا فيها جميعا، ولكن كيف تكون صدّيقا كيوسف، اذا كنت كإخوتك يوم رموك في الجب، وانا متأكد انك اذا اصبحت عزيز مصر، فستسلك طريق يوسف مع اخوته، وعساك العزيز القادم".
المصدر: الانباء