Friday 15th of November 2019 02:41:37 AM

قُتلتم ولا تشعرون

الشيخ دانييل عبد الخالق
29 آب 2019

ينقل الناس عن كارل ماركس قوله "الدين أفيون الشعوب"، ولولا أني وقعت على كتابه "نقد فلسفة الحق عند هيغل". لكنت بقيت محدودا بهذا الحاجز الذي بنيناه نحن المؤمنون بيننا وبين هذا المفكر الفذّ. نعم، لو قرأنا قوله كاملا: "الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالَم لا قلب له، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح. إنه أفيون الشعب" لكنا أقبلنا على ماركس نقرؤه كما نقرأ كتب اصول الفقه واللاهوت. واضح أن فقرة كارل ماركس هذه تحتمل أكثر من تفسير، وإن كانوا لم يُبرزوا لنا الا ما يُدين الإيمان بوصفه مُشجّع على الخمول، بينما أنا المواطن اللبناني اليوم متأكد أنها تعني ما هو أعمق بكثير، لأنني أعيش في وطن لا قلب له، ولا أخلاق سياسية فيه، أعيش ظروفا إجتماعية طُرد منها الروح، وأعيش عيشة الإنسان المسحوق. نعم يا سيدنا ويا شيخنا كارل، اليوم أفهم حثّك لي كي أرفض أن يكون الدين أفيون الشعب، حرصا على الشعب لا كُرها بالإيمان، وأفهم استطرادا أن لا أستبدل أفيون الدين بأفيون الوطن، فالانسان قبل الدين والمواطن قبل الوطن. أكثر من عشر سنوات لي مضت في الحوار المسيحي-الاسلامي أكاديميا وإجتماعيا، وأنا أدافع عن النظام اللبناني ظنا مني أن اصلاح هذا النظام أهون وأضمن من تجربة أي نظام جديد، أما الآن فلم أعد أرى تلك القيمة وتلك الأهمية التي كنت أراها في هذا النظام الفريد من نوعه كما وصفوه لنا، لربما يؤمن هذا النظام حفظا لنسب التنوع ومشاركتها في الحكم فيبدو جذابا شكلا، لكنه اثبت فشله في تأمين الحد الأدنى من كرامة المواطن، فاخترقت قلبي صرخة الجياع من ساحة طرابلس فتسائلت ماذا ينفع المواطن اذا ربحتْ طائفته وخسر هو نفسه وكرامته وعائلته وحقه ومستقبله وفرحته؟ وماذا تنفع الديموقراطية الكلامية مواطنا لا قدرة له على ترجمة شيء من هذا الكلام بسبب أفيون الوطن الطائفي؟ وماذا تنفع الحرية مواطنا عليه أن يلجأ لزعمائه بدل قضاته اذا ما أراد تحصيل حقه؟ وسيادته مرهونة بساسة يفاخرون بارتهانهم للآخرين في مشهد بيع للذات تجنّبنه بائعات الهوى.. وماذا ينفع جمال الطبيعة والمناخ مواطنا لا يتنفس الا تلوثا ولا يشتمّ الا نتنا ولا يرى الا قرفا ولا يتذوق الا سرطانا ولا يشرب الا سمّا؟ ولا يُجدّد متاعا الا من دينٍ ولا يفرح الا بطعم الحزن؟ وأي انتصار هذا على عدوّ في الخارج إن كان عدو الداخل قد أفسد العظام والأعصاب والمفاصل؟ المصدر: MTV