Friday 15th of November 2019 03:28:55 AM

الزهد.. حدّه وحقه

الحلقة الخامسة من سلسلة حلقات بعنوان "معرفة الأصول" 
الشيخ دانيل عبد الخالق
31 آب 2019

بعد أن لاحظت خلطا كبيرا عند الكثيرين حول الزهد والتصوف والإهمال أو الخمول، رغبت أن أوضح وجهة نظر دينية ولو أن القرآن الكريم اختصر الزهد إعجازا لأولي الألباب بقوله: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ. الحياة الدنيا هي الطريق الى الآخرة، *وهي ملعب الإنسان الوحيد الذي يُبَلّغُه هدفَه في النهاية* ، ولم يطلب منا الإسلام والإحسان أي *التوحيد* اهمالَها في أي موضع بل طلب عدم التعلق بها والزهد فيها بمعنى النظر إليها بعين الزوال وقصر الأمل *ولم يطلب الإستغناء عنها* ، كذلك لم يطلب التوحيد سلوك طريق التمايز غير المألوف والظهور بمظهرٍ *غير مألوف عند العامة* لناحية النظافة والترتيب والطهارة، ولا يجوز أن يغيب عن الموحد قول نبينا عليه الصلاة والسلام " _تنظفوا بكل ما استطعتم فإن الله تعالى بنى الإسلام على النظافة، ولن يدخل الجنة الا كل نظيف_ "، ويحمل هذا الحديث *بظاهره وباطنه خلاص كل موحد* . ونحن نعلم علم اليقين أن _الإسلام والإيمان لا يتمان إلا بالأعمال الصالحة فكيف بالتوحيد_ ؟ وزاد عليه الصلاة والسلام وشدد على الإحتياط بقوله " _خمروا الآنية وأجيفوا الأبواب وأطفئوا المصابيح فإن الفويسقة ربما جرت الفتيلة فأحرقت أهل البيت_ . أما إذا وُجد الموحد في بيئة مألوفٌ فيها *قلة الحشمة ومخالفة الدين* وَجَبَ عليه *صيانة نفسه وقلبه وجوارحه* وعدم اتباع المألوف بل تصحيحه وتقويمه إن وجد لذلك حيلةً أو اجتنابه إن عجز عن التصحيح والتقويم *بالنية والكلمة الطيبة والموعظة الحسنة فقط* ، اما استعمال العنف لهذا الغرض ففيه نقاش. بناء على ما سبق يثبت أن الزهد في الدنيا يكون باجتناب المحرمات وكسب العلم الصحيح النافع مع كسب العيش الحلال أخيرا "اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورضوانٌ"، أما من يظن أن كسب الحلال في المأكل فقط يكفيه فليعلم أن الطيور والكائنات البرية لا تأكل الا حلالا وهي بذلك تصبح أقرب الى الكمال من الإنسان وهذا مخالف للمنطق الديني كليا.