Monday 18th of November 2019 06:24:18 AM

الجمعيّات الخيريّة.. بين الإفادة والإستغلال!

نسيم هاني
25 اياول 2019

تُذهلُ عندما ترى الارقام الرباعية التسلسلية على تراخيص العلم والخبر الممنوحة للجمعيات الخيرية على انواعها في لبنان والتي تنتشر على مساحة الوطن باسماء وصفات واهداف متعددة. ليأخذك الوهم لثوان في شطحة الى عالم من الخيال لا وجود فيه لفقير او محتاج معدم. ولكن بالعودة الى الواقع ترى النقيض تماما، كلما زادت عندنا الجمعيات زادت اوضاعنا سوءا.
لا شك ان انتشار الجمعيات الخيرية بهذا الشكل هو دليل على تنامي الحّس الانساني حيال ظروف صعبة فرضت نفسها على واقع الحال. وفي حالتنا اليوم، هي حاجة اكثر من ضرورية في ظل الاوضاع الاقتصادية الصعبة المزرية التي يتخبط بها البلد وقاطنيه. وهي ضرورية ايضا بسبب عجز الدولة عن تلبية وتحسين اوضاع الناس في كثير من الحالات. وطبيعي ان تسمح الدولة وترخص لهذه الجمعيات آملة بان تكون لها سندا في في تلبية احتياجات المواطنين الفقراء حيث لا تستطيع هي الوصول. ولكن يبقى السؤال هل ان جميع هذه الجمعيات تؤدي واجباتها تجاه المجتمع؟
نحن في جبل برس ومنذ البداية خصصنا جزءا من مساحة موقعنا لتغطية اعمال ونشاطات الجمعيات الخيرية الجيدة في لبنان انطلاقا من قناعة لدينا بان نشر الفضيلة واجب وعليه لا يجوز تجاهل ما تقوم به هذه الجمعيات من سد الفراغ الناتج عن تقاعس الدولة. وبالفعل تابعنا عددا من هذه الجمعيات واجرينا لقاءات مع رؤسائها في منطقة الجبل ولمسنا فيها اداءا جيدا وشفافية في التعاطي بجميع الملفات التي بحوزتها وهي تستحق التنويه والاشادة كمثال يحتذى. انهم من الخيرين الصالحين الذين نذروا انفسهم لمساعدة الناس وكرسوا حياتهم لخدمة الفقراء والمحتاجين وفتحوا لهم ابوابا من الرحمة والرافة دون مقابل. ولمسنا لديهم نية وعزيمة باتجاه عمل الخير مع تفاوت بسيط في حجم الاعمال والنشاطات ونوعيتها بين واحدة واخرى بسبب التفاوت في الامكانيات. وطبيعي ان يعزز هذا الامر وهذه الشفافية في التعاطي مع الحالات الثقة بينهم وبين الناس وان ويوطّد جسور التعاون معهم، ليصبحوا الامل الوحيد وخشبة الخلاص لالاف الحالات ممن اغلقت بوجههم الابواب. ولا يمكن لهذه الجمعيات ولا يجوز لها على الاطلاق ان تتراجع قيد انملة الى الوراء فالكثير من الامال اصبحت معقودة عليها.
في المقابل هناك جمعيات اطلقت على نفسها جمعيات خيرية واستحصلت على تراخيصها بغير وجه حق وهي لا تمت الى الخير بصلة. فمقراتها وهمية واعضاؤها وهمييون معظمهم من الاقارب والانساب! انجازاتها وهمية ووعودها واهية وتقديماتها معدومة. والقيمون على هذه الجمعيات يتحدثون باسم الناس المعوزين ويتاجرون باوضاعهم وابوابهم موصدة بوجه السائلين. يكذبون عليهم تحت شعار الخير. يستحصلون على الدعم والمخصصات من الدولة ومن المتبرعين المخدوعين فيحللونها ويجيّرونها لمصالحهم وارصدتهم في البنوك. يبنون عروشهم وقصورهم من الملايين المأخوذة باسم الناس وآلامهم. يستخدمون صفتهم للتشريفات والجاه. فيُدعَون الى المناسبات ويجلسون في الصفوف الامامية مع سادة القوم واصحاب الشأن. يترددون على ابواب الزعماء والسياسيين لنيل الرضى والدعم...! وان جئت احدهم يوما للتعرف اليه يُخرج بطاقة من جيبه مكتوب عليها رئيس جمعية "كذا وكذا الخيرية". فتشعر وانت تتحدث اليه وكانك في حضرة ولي من اولياء الله الصالحين! لتكتشف فيما بعد من خلال متابعتك له انه مخادع ومنافق ... انهم يمارسون نفاقهم بذكاء وحنكة لدرجة انها تنطلي على المسؤولين انفسهم.. للاسف. ففي بلد صغير بحجم بلدنا فيه هذا الكم من المؤسسات والجمعيات الخيرية من المعيب ان نرى يتيما او ارملة او مسنا و فقيرا معوزا من دون ابسط مقومات العيش بكرامة!
من حق هذا الانسان الفقير المحتاج والذي يتشدقون باسمه صبحا ومساءا في كل فرصة وبكل الوسائل المتاحة ان يهب لمحاسبة هؤلاء واسترجاع حقه الشرعي المنهوب. ومن حق المجتمع بالسؤال والمساءلة عن الاموال والمساعدات على اشكالها التي جمعت باسمه من قبل بعض الجمعيات الوهمية من جيوب المتمولين والزعماء واحيانا كثير من الخارج وما ادراك ما في الخارج! وحتى لا يذهب الصالح بظهر الطالح من حق الجمعيات الناشطة والفعالة بالاشارة الى هذه الجمعيات الوهمية ومحاربتها ومقاطعتها لانها تعرقل تقدم عمل الخير وتاخذ من امامهم مخصصات من الدولة ومن المجتمع ومن المانحين هم اولى بها. وعلى الزعماء والجهات السياسية الداعمة متابعة هذه الجمعيات والتحقق من نشاطاتها وانجازاتها والتحقق من كيفية صرف هذه الاموال الممنوحة. وعلى الدولة ايضا ومن مسؤوليتها متابعة اعمال كافة الجمعيات والمؤسسات الخيرية والاجتماعية ومحاسبتها. وعلى السلطة الرابعة والمنابر الاعلامية على اختلافها والتي تسلط الضوء على الجوانب الايجابية الجيدة وتثني عليها في كل مناسبة ان تشير ايضا الى الثغرات والجوانب المظلمة في هذا المجال بغية التصحيح والتصويب لما فيه خير المجتمع.
لم نقل كل شيء...
ولم نقل هذا ايضا الا من باب حرصنا وخوفنا على اصحاب الحق، المستضعفين والمحتاجين. فمن حقهم علينا وعلى الجميع دون استثناء صون كرامتهم وعزة نفسهم، كي لا يضيع حقهم في جيوب المتنفعين وبطونهم المتخمة بالفساد والمال الحرام...! 
خاص "جبل برس"