Friday 15th of November 2019 02:40:43 AM

لبنان الثورة.. الى اين؟؟

بقلم رئيس مركز التراث العربي خالد حميدان
3/11/2019

من الضروري لا بل من الواجب، قبل الدخول في أي تفصيل، أن نبارك الحراك الشعبي العفوي الذي انطلق في السابع عشر من تشرين الأول 2019 وضم اللبنانيين من مختلف المناطق ومختلف المشارب ومختلف الأعمار، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ لبنان. فإن دلَّ ذلك على شيء، فعلى تصميمٍ جدي لدى الشعب اللبناني ورغبةٍ لا رجوعَ عنها للانتقال من قيود التبعية بجميع أشكالها إلى فضاء النور والحرية. وهكذا تم الزحف المقدس والانتفاضة المباركة اللذان شهدتهما ساحات لبنان للإعلان من هناك على قيام ثورةٍ سلميةٍ عارمةٍ مستمرةٍ حتى تحقيق المطالب واسترجاع الحقوق الشعبية المسلوبة. هذا بالمبدأ العام. أما المطالب الشعبية التي عبَّر عنها المواطنون في هتافاتهم وشعاراتهم، جاءت عفوية ومتطابقة لبعضها البعض كون اللبنانيين يعانون من الأمراض والأوجاع ذاتها وقد طفح كيلهم من وعود المسؤولين بتسوية الأوضاع وتحقيق المطالب التي ظلت مجرد أوهام في الهواء. ويمكن تلخيصها بالعناوين التالية: إسقاط الحكومة بجميع أعضائها. تأليف حكومة بديلة من التكنوقراط الحياديين إسقاط المجلس النيابي بجميع أعضائه. إقرار قانون لاطائفي للإنتخابات وإجراء انتخابات نيابية مبكرة. رفع الحصانة عن جميع الوزراء والنواب وجميع العاملين في الشأن العام وإخضاعهم للتحقيق والمحاسبة. الإعلان عن أصحاب الصفقات والسرقات وسجن من تثبت عليه التهمة، واستعادة المال العام المنهوب إلى خزينة الدولة. إسقاط النظام الطائفي واستبداله بالنظام المدني العلماني. هذا وقد شدد المنتفضون على أنهم باقون في الشوارع والساحات حتى تتحقق جميع مطالبهم وفي مقدمتها رحيل جميع السياسيين رافعين شعار: "كلن يعني كلن". مع تقديرنا لمطالب المنتفضين وللتضحيات التي يقدمها الشعب اللبناني اليوم، إلا أنه لا يمكننا غض النظر، ونحن معنيون بالحراك الشعبي، عن بعض الملاحظات المتواضعة والتي تبدو لنا ضرورية كي يحقق الحراك نتائجه الإيجابية. أولاً: من الطبيعي أن يتعرض مثل هذا التحرك الضخم إلى طوابير شيطانية بهدف إسكات صوت المنتفضين وإدخال الرعب في نفوسهم في محاولةٍ لجرهم إلى الوراء. ولكل من هذه الطوابير حسابات تختلف عن حسابات الآخر (لا داعٍ للدخول في تفاصيلها الآن). وجل ما في الأمر هو وجوب عدم الإصغاء إلى هؤلاء الأقزام المشاغبين والعمل ما أمكن لتلافي الوقوع في أي إشكالٍ معهم. ثانياً: من الطبيعي أيضاً أن تتعرض الإنتفاضة إلى أبواق المنتفعين من "خدمات" السلطة أو من النظام الطائفي القائم، خاصة هؤلاء الذين يطلون في الإعلام وعلى شاشات التلفزة باعتبارهم محللين ومنظرين سياسيين (مع تقديري للبعض منهم). ومثل هؤلاء يجب أن يُواجَهوا بالمنطق والحوار وبذات الوسيلة الإعلامية للوصول إلى الرأي العام. ففي الرد عليهم ما يظهر الصورة والموقف بشكل أوضح. ثالثاً: وهنا يكمن بيت القصيد. إذا ما عدنا إلى المطالب المبينة أعلاه، نجد أن المطلب الأول القاضي بإسقاط الحكومة بجميع أعضائها قد تحقق، وبه تكون الإنتفاضة قد سجلت فوزاً لا يستهان به باعتراف رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية في بث تلفزيوني مباشر أمام جميع اللبنانيين. ماذا بعد..!؟ لا شيءَ حتى الآن!!! فيما خص المطلب الثاني، أي تأليف حكومة حيادية من أخصائيين تكون طبيعتها انتقالية، سمعنا تصريحاً لفخامة رئيس الجمهورية أنه سيبدأ إستشاراته النيابية الملزمة في مطلع الأسبوع المقبل وقد وعد أن تتضمن الوزارة العتيدة وجوهاً جديدة لكنه لم يحدد طبيعة هذه الحكومة أو شكلها ولا عدد أعضائها. يأتي هذا التصريح بعد مضي اثني عشر يوماً على استقالة حكومة سعد الحريري وكأن الأوضاع العامة في البلد بألف خير ولا داعٍ للسرعة والتسرع، ولينتظر اللبنانيون في الساحات إلى ما شاء الله.. وفي هذا المجال نطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن تؤلف حكومة حيادية إذا كانت الاستشارات الملزمة محصورة بالكتل النيابية التابعة لأمراء الطوائف الذين يطالب المنتفضون بإسقاطهم؟؟ من هنا التأكيد على أن الحكومة التي ستؤلف، أياً كانت تسميتها بحكومة تكنوقراط أو أخصائيين أو إنقاذ، لن تكون حكومة حيادية تغييرية مع الأسف، بل ستأتي على شاكلة سابقتها مع فارق واحد هو التغيير بالأسماء فقط. وكل ما يشاع ويذاع عن حكومة إنقاذية حاصلة على ثقة المجلس النيابي (إذا تألفت) هو من باب الاستخفاف بعقول المنتفضين الذين أعلنوا "ثورة مستمرة حتى تحقيق المطالب". رابعاً: الملاحظة الرابعة وهي الأهم: افتقار الثائرين إلى مجلس للثورة يضم مسؤولين عن مختلف الساحات لإصدار البيانات والقرارات والاجتماع بالمسؤولين الرسميين إذا لزم الأمر. وعن هذا المجلس يجب أن تتألف لجان تنفيذية: لجنة مالية وقوامها رجال مال وأعمال ولجنة إعلامية من كتاب وصحافيين ولجنة حقوقية من محامين وناشطين حقوقيين وإلخ.. بحيث يوكل إليها وضع الدراسات اللازمة وتقديم الاقتراحات المناسبة لمجلس الثورة للعمل بموجبها، وإلا كان الإرتجال والتفرد بالرأي سيد الموقف حيث يؤدي (لا سمح الله) إلى إخماد الثورة في مهدها. وهذا الأمر قد لا تحمد عقباه بعد أن قطع المحتجون أشواطاً بعيدة من الصبر والتضحية على أمل استرجاع حقوقهم المصادرة أو بعضها. وإذا ما نظرنا إلى مجمل المطالب التي ذكرناها آنفاً، يتبين لنا أنها غير ممكنة التطبيق إذا لم تتوفر الآلية المناسبة لتطبيقها خاصةً أننا نعمل وفق القوانين المرعية المعتمدة في النظام القائم وأهمها أن كل مشروع قانون يلزمه إقرار المجلس النيابي لكي يصبح نافذاً. وتبقى الأسئلة قائمة دون الجواب عليها. وبالتالي.. كيف سيتم التغيير المنشود؟ ـ من سيحل المجلس النيابي الحالي؟ ـ من سيصدر قانون الانتخابات الجديد ويدعو إلى انتخابات مبكرة؟ ـ من سيرفع الحصانة عن النواب والوزراء للتحقيق معهم؟ ـ من سيكشف السارقين واستعادة المال المنهوب إلى الخزينة؟ ـ من هي الجهة التي ستغير النظام من طائفي إلى علماني؟ هذه وغيرها من الأسئلة تحتاج إلى أجوبة علمية دقيقة ومن غير الحكمة الإكتفاء بالتظاهر وإطلاق الشعارات خاصةً عندما يتعلق الأمر بإطلاق الإتهامات العشوائية بالسرقة أو الإختلاس أو السمسرة أو و أو.. ذلك أن الاتهام ولو كان مبرراً لا يُسمح به إلا للجهة القضائية الصالحة وكل ما عداه يعتبر تعدياً أو افتراءً يحاسب عليه القانون. من هنا أهمية أن يكون للثورة مرجعاً قانونياً للإجابة على الأسئلة المبينة أعلاه. نقول هذا ليس لإدخال اليأس والإحباط إلى نفوس الثائرين بل للتنبه إلى ما تتطلبه المراحل المقبلة للثورة وإلا سنكتفي بأننا أسقطنا الحكومة بانتظار تأليف حكومة جديدة مماثلة وهذا ليس من منجزات الثورة وإنما من أعمال التطبيع والقبول بالأمر الواقع. وبكل أسف نقول: هذا كل ما تستطيعه الثورة السلمية الحضارية في ظل نظام طائفي قبلي..!! وبعد هذه المداخلة القصيرة والتي بينت فيها، بتواضع كليّ، بعض الحقائق والمستلزمات الضرورية لإنجاح الثورة، من حق كل لبناني أن يسأل: لبنان الثورة.. إلى أين..؟؟