Sunday 24th of January 2021 09:35:15 PM

كلمة الوجود.. بين الإلحاد والإيمان

بقلم الشيخ دانيل عبد الخالق
25 كانون الأول 2019

بعيدا عن التفاسير التي يلتزم بها كل مذهب من المذاهب المسيحية والإسلامية، فإن *"الكلمة"* هي مدخل الى معرفة أسرار الخلق فافتتح إنجيل يوحنا بعبارة: فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ” (يوحنا 1: 1)، وأكد القرآن الكريم مُصطلح "الكلمة" بقوله تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (آل عمران 45)، وقال أيضا: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (يس 82) والقول لا يُسمّى قولا الا إذا قال "كلمة"، وكانت إرادة الله سبحانه وتعالى في الخلق فكانت "كلمته" هي هذا الوجود *وهو بمثابة كلمة تدلّ على المعنى الإلهي الحقيقي* فصار هو "نور السماوات والأرض" وكذلك ألم يذكر القرآن الكريم "وسع كرسيه السماوات والأرض"؟ أليست الكلمة هي كرسيّ المعنى؟ فتصبح السماوات والأرض (أي الوجود) هي الكرسي (الكلمة) التي تُمظهر المعنى الإلهي، فالمعنى يبقى غير ملموس رغم وجوده فلا يظهر الا عبر الكرسي التي هي الكلمة الدّالّة على المعنى. وفي الواقع فإن كل من أراد أن يُعبّر عن معنى فليس له إلا أن يُمظهر هذا المعنى في "كلمة"، وبتعبير آخر *فإن "الكلمة" هي المكان الذي يتجلّى فيه المعنى*، وهنا أرغب أن أبرر (على مسؤوليتي الشخصية كباحث وليس بصفتي منتميا الى أحد المذاهب الاسلامية) حديثا قدسيا صوفيا يستضعفه كثير من المسلمين "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف"، أي أن الحقيقة الإلهية أبدعت الكلمة التي هي الكون لتدل على معناها الإلهي، ومن هنا نفهم قوله "في البدء كان الكلمة"، ونفهم بموجب هذا المنطق قول الإنجيل "والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله" أي أن المعنى الوجودي هو عند الله والكلمة في ذات الوقت هي المعنى لأن المعنى لا يغيب عن الكلمة رغم أنه غير الكلمة ولو كان متصلا بها. ولربما لم ينتبه كثير من المفكرين اللادينيين الى هذه العلاقة الإعجازية بين الكلمة ومعناها فوقعوا بما نُسمّيه نحن "الإلحاد". أما كيف خُلقت الكلمة فهذا سياق آخر، لأن الكلمة مؤلفة من أحرف، *والأحرف المشتتة لا يظهر منها المعنى، بل يظهر المعنى اذا اجتمعت الحروف وفق علاقة خاصة* ، والعلاقة بين هذه الأحرف هي *"عقل" الكلمة ونظامها* ، والفضل لعقلها هذا في إظهار المعنى، كذلك "الكون الكلمة" هو مجموعة أحرف(عناصر الوجود) على علاقة فيزيائية وبيولوجية وبيئية بين بعضها تُمثّل "عقل" هذا الوجود، وهنا أبرر حديثا قدسيا آخر لا يعترف به أيضا كثير من المسلمين لكنه يصب في معنى الكلمة الوجود: "أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي وجلالي ما خلقت ولا أخلق أفضل منك، بك أثيب وبك أعاقب". بالعودة إلى أحرف الكون *فإن الإنسان بحقيقته هو حرف من أحرف هذا "الوجود الكلمة" وهو الحرف الذي يحمل أمانة هذا الوجود*، ولربما هذا هو السبب الذي أوصانا بموجبه الرسول عليه الصلاة والسلام كي نحب الآخر بالله ولله، *فنقول للآخر "أخي في الله"، لأنني أنا والآخر موجودون في هذه "الكلمة الوجود" الدّالّة على الله* ، وقد قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (الأحزاب72)، والإنسان الجسد قصير العمر نسبة الى عمر الوجود فصار المقصود هنا *هو الإنسان بحقيقته الإنسانية وليس بجسده العاجز* ، ولهذا قد لا يكون حاملا للأمانة الا من اتحدت حقيقته بعقل هذا الكون فيصبح حاملا حقيقيا لأمانة هذا الوجود، *فطوبى لمن تجاوز جسده وعرف حقيقة ذاته التي من خلالها يمكنه معرفة الوجود* ، ألم يقل الإمام علي عليه السلام: وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر، وما أشبه قوله هذا بشرح سقراط الحكيم: إعرف نفسك.