Tuesday 26th of January 2021 06:52:42 PM

ورشة رسّامين للجدارية السورية...

د. خالد العزّي
11 كانون الثاني 2020

باتت سيميائية الصورة السورية معقدة جداً، حيث اختلطت فيها المصالح بالمواقف، والتحالفات بالألوان، والخطوط العريضة بدماء السوريين في ظل الحرب الجيوسياسية التي ترسم آفاقها الدول الكبرى لإعادة صياغة خريطة جديدة لسوريا والمنطقة وفقاً لمصالحها الاقتصادية الخاصة نتيجة الموقع الجيو-سياسي والاستراتيجي، والثروة الطبيعية التي تملكها الدولة السورية. صحيح كما قال المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه: "كل الحروب لم نعشها بل عرفناها من خلال الصور التي تلقيناها بوسائل اعلامية مهمتها نقل الصورة لنا بحسب مواقفها المسبقة من الازمة" وهذا ما يحصل مع الصورة السورية. لذلك نرى فيها انعكاس المشهد للصورة السورية التي رسمت جدارية الحرب الكبرى بأشلاء شعبها المتقاتل ودمائهم التي احتلت الالوان المختلفة المسيطرة على المشاهد الحزينة لمصلحة الآخرين. لقد رسموا خطوطهم الخاصة والهادفة لتوزيع المغانم والنفوذ في بلد اعادته الصورة الظاهرة إلى نصف قرن للوراء، وفقاً للمدرسة الفنية التفكيكية التي تقوم على التفكيك والاعادة للبناء بطريقة حديثة. الجدارية التي لعبت فيها ولا تزال اميركا وروسيا دوراً ريادياً في محاولة اعادة كتابتها بألوانهم وخطوطهم على حساب الشعب السوري. روسيا التي تدخلت عسكرياً في سوريا لمصلحة النظام ولتمكينه من اعادة السيطرة والنفوذ على كل المناطق التي فقدها منذ نشوء الثورة او" الخلاف الداخلي" حتى العام 2001. بالطبع سجلت موسكو نصراً عسكرياً كبيراً في اعادة زمام الامور لمصلحة النظام، لكن الأخيرة لم تستطع توظيف انتصارها العسكري في انتاج حل سياسي ينهي مأساة سوريا وشعبها من ويلات الحرب والدمار. فاذا حاولنا تفسير الصورة السورية بحسب دلائلها البصرية ووفقاً لنظرية رولان بارت القائمة على اظهار بطاقة تعريفية للصورة من خلال المرحلة الأولى التي تحمل المعنى الظاهر للصورة والمرحلة الثانية التي تحمل المعنى التصميمي لثقافة المتلقي للصورة فإننا امام صورة يصعب تحليلها وتفكيك خطوطها بسبب اختلاط الامور بعضها ببعض. لقد بتنا اذا امام مشهد سريالي للصورة السورية يصعب تفسير عناصرها ومكوناتها عند قراءة اللوحة المرسومة، نظراً إلى عدم اكتمال كتابتها من قبل كبار الفنانين الذين يجيدون اللعب بالألوان والخطوط، ولكون المايسترو الاميركي لا يزال يضبط المشهد المتدرج في تركيبة الالوان والخطوط. فالصورة واضحة بالرغم من الالوان الحمراء والسوداء المسيطرة على الجدارية، فروسيا منذ بداية تدخلها العسكري في سوريا حاولت ملء الفراغ السياسي، وفرض نفسها على الحلفاء من خلال وجهة نظرها الخاصة القائمة على نظرية المنافع الاقتصادية والنفوذ السياسي. وترجمت ذلك بواسطة قوتها النارية والصاروخية مما دفع بشركة السيارات الروسية "لادا" الى نشر اعلان على الطرقات في لبنان يحمل شعار" لادا القوة الصاروخية"، اقتباساً من القوة الصاروخية المستخدمة في الحرب السورية، هذا التصور الفوقي الروسي للازمة كونه رسالة للأعداء والحلفاء، بان الغاية تبرر الوسيلة في تحقيق المصالح الخاصة التي تقوم على استعراض للسلاح واجراء تجاربها بنفسها من اجل تسويقه مجدداً بعد ان تعرض هذا السلاح للعديد من الضربات التي افقدته ثقة الزبائن في العالم. وبهذا المشهد تبقى الصورة غامضة ومبهمة من قبل الدولة الروسية في كيفية التعامل مع الوجود العسكري الايراني الذي لا تزال روسيا بأمس الحاجة اليه في تنفيذ عملياتها الحربية وخاصة لعدم التمكن من حسم معركة ادلب وريف حماة، لغياب العنصر الايراني الميداني عن المعارك. لذك تبقى الصورة معقدة جداً حيث تدخلنا في زواريب ضيقة تحاول روسيا تصوير نفسها بانها القوة المركزية في عاصمة الامويين وصاحبة القرار النهائي والحل القادم بالرغم من ان الامور تنذر بالتعقيد والصراع القادم لحماية المصالح والنفوذ الخاصة للحليفين في ظل تصاعد الاشكالات اليومية والسباق على الاستحواذ على عقود اقتصادية في سوريا، لا تزال قراءة الصورة المنقولة بالإعلام ناقصة للعناصر النهائية التي تساعد المشاهد من قراءتها".