Tuesday 26th of January 2021 12:48:47 PM

تَحتَ الثَرى حـيٌ لم تَغِبِ!

د. محمود الحلبي
تورنتو- كندا 13 شباط 2020

إهداء لروح الشهيد رفيق الحريري في ذكرى إستشهادِه.
حُزني على الشهيد رفيق الحريري يوازي حزني بفقدِ والدي
أنا واحدٌ مِنَ الذين حَصّلوا عُلُومَهُم بنعمٍ من فضلِهِ.
****************

أتُراهُ غابَ وجهُ الشمسِ من تعــــبٍ
أم تبــــدَّدَ نُورُهــــا خَـلــفَ الحُجُـبِ
أم تُراهُ الكونُ يَنهــــارُ في لحظــــةٍ
ضَاعت فيها الأزمِنَـــــــــةُ والحِقَبِ
لحظــــةٌ هَزَّت بَـيروتَ بدَويِهـــــــا
وغَطَّت سَماها مِنَ الدُخان سُحُــــبِ
فَهَـبَّ لبنانُ مَذهـــــولا بأكملـِـــــــهِ
مُهرولاً يسألُ ما الخبرَ، عن السَبَبِ
قتلوا ظلماً رفيــــــقَ الحلُمِ الـــــذي
بَنى للبنانَ عِزّاً ومَجداً من ذَهَـــــبِ
فيا حَرقةً في المآقـــي لا تَهــــــدأي
ويــا دُمُوعــاً على الخَـــدِ انسكِبـــي
ويا غَصَةً في القلبِ نَـاراً إستَعِري،
وتـأجَّـجــي شوقـــاً مـِنَ الغَضَــــبِ

هَامَةٌ كَبيرةٌ بحجــــــمِ لبنانَ تَعلـــــو
وتَسمو فـوقَ كُلِ المَناصِبِ والرُتَبِ
في الطائفِ هَندسَ وصاغَ إتفاقـــــاً
أنهى بِــــــهِ حَربَ الدَمارِ واللِهَـــبِ
تَمَسَّـكَ بِحَــقِّ المُقاوَمَـةِ وكـَــــافـَــحَ
من أجلِهـــا بوجهِ مُحتَـلٍّ مُغتَصِــبِ
وأطلـقَ ورشَةَ الإعمارِ بعدَ الحربِ
وجاهَدَ بمالِهِ وسواعِدِهِ ولم يتعَــــبِ
أبوابَ العِلم فَتَحَهــــــا مُشَرَعَــــــــةً
ولم يرُدَّ لأي طالبِ عِلـــــمٍ طلـَـــبِ
بين يديه حَملَ لبنانَ إلى العـــــــــالمِ
ورافــَـقَ كِبـــارَ الأنجُـــمِ والشُهُـبِ
إن أردنــا تِعــــــــــدادَ إنجــازاتــِــهِ
لضَــاقت بهــا المُجــلّداتُ والكتُــبِ
وإنْ أردنــا تِعــــــــــدادَ عَطـاءاتِـــهِ
لضَــاقت بهــا الكلمــاتُ والخُطَــبِ
قبله كُنّا في صحراءِ العُربِ عَطشَى
فَجِاءنــا بالمـاءِ الــزُلال في القـِرَبِ
بقلبِـــهِ الكبير أحبَّ لُبنـــانَ وشعـبَـهُ
وَكانَ صادقا مِنَ الأخيارِ النُجَـــــبِ
لفّقوا له التُهمَ جِزافـــــاً وغَلَّـــــفوها
بخيطــانٍ مِــنَ الرِيـَاءِ ومنَ الكَــذِبِ
كُلُ أفعالِ الشَرِّ والكُفرِ إجتمَعَــــــت
من قِبَلِ ظالمٍ جَاهِلٍ مُستبِـــدٍّ غَبــــي
لا ليسَ هكذا الأوطانُ تبنى، وهَـذي
الدِيارُ أضحَت دَماراً مِنَ الخِـــــرَبِ
لم يبـقَ في الصحراءِ ظِلٌ يُظللُهُـــم
ولا خَيمــةً تَجمعُهُــم عِنــدَ العَــرَبِ
عَونَهُم مِمن باعوا لهُم أرضَهُـــــــم
ودِماءَ شَعبِهــم والتُــرابَ والعُشُــبِ
ظنُّــوا وهمــاً أن بموتِـــهِ يَنـــــالوا
من لبنـــانَ ويُحَقِّـقـوا مآلَهُم والإرَبِ
لكنهم خَسِــــئوا وما إستــَـــــطاعوا
وغرقـــوا في بحـرِ الظلامِ والكَرَبِ

دَمُــهُ لم يذهَب ســدىً، بخُروجِهِــــم
قد تَوحَــدتِ الكَنـــــائِسُ والقِبَــــــبِ
دَمُـهُ الغـالي كانَ للبنــانَ فِـــــــــداءً
كَدَمِ المَسيحِ حِينَ عُلِّـقَ على الخشبِ
كيف لولـي من أوليــــاءِ زمانِــــــهِ
مُؤمنٌ باللهِ وبشـَرعِ الرسولِ والنبـي
أن يُقتـَـلَ ظُلماً ، وبــأيِ حَــقٍّ،هــذا
الإثــمَ الشنيــعَ الفظيــعَ المُرتَــــكَبِ
إغتيـــالُهُ كــان للجميــــــعِ نكبـــَــةً
تَوالــت بَعــدَها سلســلةٌ من النُكَـبِ
ينكرونَ ويتهمـونَ غَيرهم بِفِعلِهــــم
لـم يكتفـوا، ولـم يستحوا، فيا عَجَـبِ
ليسَ غَريبا أن يَنكروا فِعلتَهم الغَريب
أن يرَقصُــــوا عَليهــــا من الطَرَبِ
كُلَّ الجِــراحِ تُضمِدُهــا الأيــــــامُ إلا
جُرحَ غِيابِكَ سَيبـقى دوما مُلتَهِـــبِ
برحيـلِكَ فقدنـــا بلبنــــــانَ أمـــــــلاً
ولـم يعـد يُجـــدي بُكــاءً ولا عَتَــبِ
برحيـلِكَ جِبـــالُ لبنــــــانَ مُهتَــــزَةٌ
وقد كانت تَصُدُّ كُلَ فِعـــلٍ مُرتَقَــبِ
برحيـلِكَ شُمـــوخُ الأرزِ مُنـكسِـــــرٌ
وشعــبَ لبنـــــانَ محزونٌ ومُكتَئِبِ
يَغيبُ الظَالمونَ وهُم فوقَ عُرُوشِهـم
وتَحتَ الثَرى أنتَ حَــــيٌ لــم تَغِـبِ
بَلغ سَلامَنـــا للكَمــــــالِ واستقبــــلا مَعا
في الجنَّةِ ، قَوافِـــــلَ الشـُــهداءِ
الخَالدينَ، يا أشرَفَ النسبِ 
          

* القصيدة على البحر البسيط (الهجيني)