Tuesday 19th of January 2021 04:44:32 AM

السلطة في لبنان.. تعلن الحرب على مواطنيها

بقلم خالد حميدان
رئيس المنتدى الثقافي اللبناني الكندي

20 شباط 2020

نشر المؤرخ والأستاذ الجامعي الدكتور فارس إشتي مقالاً الاسبوع الماضي، عرض فيه للواقع اللبناني منذ بدء الحراك الشعبي في 17 تشرين الأول حتى يومنا هذا. وأبرز ما جاء فيه أن هذا الحراك، بعد مضي أربعة أشهر على قيامه وإلحاح المتظاهرين الرافضين الذين ملأوا الشوارع والساحات، لم يستطع أن يرتقي إلى انتفاضة أو ثورة ولن يستطيع بالتالي أن يحدث فرقاً أو تغييراً مهما تعددت أسماؤه. فهو لا يعدو كونه حراكاً شعبياً قاصراً على تحقيق المطالب التي يطرحها في الشارع رغم أنها مطالب محقّة.
ان ما جاء في المقال يلامس الواقع تماما كما أن العرض الدقيق والتحليل المنطقي اللذين رافقا المضمون، يطفيان على المقال سمة الجدية والمهنية. والدكتور إشتي، بأي حال، لا يحتاج إلى شهادتنا أو تعليقنا عليه سوى بالشكر والتقدير لما بذله من وقت وجهد لإنجاز المقال الذي بدا عرضا تاريخياً: تحليلياً في بعض فقراته وتوضيحياً في البعض الآخر، لم يدخل فيه أي تعليق (سلبي أو إيجابي). كذلك لم يشر إلى ردة فعل السلطة والوسائل التي استخدمتها لقمع المتظاهرين التي لا تمت بصلة إلى "بلد الحريات والنظام الديمقراطي الحضاري، ولبنان الرسالة، ولبنان القوي بضعفه.. إلى آخر المعزوفة".. التي أصبحت كالعفن في الطحين..
أتقدم من الصديق الدكتور إشتي بوافر الشكر لأنه فتح شهيتي على الكتابة مجددا في هذا الموضوع بعد أن كتبت فيه عددا من المقالات، وسأحاول هذه المرّة التركيز والإشارة إلى ما لم يشر إليه مقاله. فبرأيي المتواضع، كان المتظاهرون ليتراجعوا عن إلحاحهم ويسمحوا بفرصة تعطى للسلطة لو انهم لمسوا بجدية الوعود التي قدمت اليهم لإجراء الإصلاحات المطلوبة. وكانوا لينسحبوا من الشارع لو تحقق قدر بسيط من مطالبهم خلال الاربعة اشهر الماضية. لكن مع الأسف لقد قوبلوا بالرفض والاتهام، والتشكيك والترهيب وكأني بهم ضحايا حرب ممنهجة شنتها السلطة الحاكمة برموزها وتوابعها الأمنية والمخابراتية ومن ورائها امراء الطوائف وازلامهم المأجورين، ضدّ مواطنين عزّل كانوا يتظاهرون بكلّ ثبات وايمان راسخين بأن "لا بدَّ لليل ان ينجلي"، مرددين الأناشيد الوطنية وأغاني المحبّة والسلام وليس في أيديهم سوى الأعلام اللبنانية والورود البيضاء..
هذا نموذج الديمقراطية الراقية في بلادنا: لا يستقيم الوضع فيها إلا بقهر المواطن وإذلاله. أما البدعة الجديدة التي تكاد تنفرد بها السلطة في لبنان هي في إفقار المواطن وسرقة أمواله المودعة في المصارف. ويتم ذلك بالتعامي عن قرارات البنك المركزي الفاضحة والمخالفة للقوانين وجمعية المصارف التي تملك، بموجب القرارات التعسفية الجائرة، حق التصرّف بهذه الأموال دون الرجوع إلى أصحابها، ضاربةً بعرض الحائط العقود الموقّعة مع المودعين التي تحفظ (بالمبدأ) حق تصرف المودع بأمواله كيفما شاء. وقد أشار إلى هذه البدعة باستغرابٍ وتنديدٍ كبيرين عددٌ من رجال القانون ووصفوا ما يحصل بأنه "إجراءٌ غير قانوني" لكي لا يقولون إنه "سرقة مقوننة". ولكن ليس هناك من يسمع أو يجيب.. فالسلطة غائبة عن السمع ومشغولة في تدبير الأفخاخ للإيقاع بالمواطنين الأحرار بدلاً من السعي لإيجاد الحلول الممكنة وتأمين أقل ما يمكن من المطالب لضبط الفوضى وعمليات الكر والفر. أضف إلى ذلك استخدام الوسائل الردعية الوحشية لقمع المتظاهرين وإرغامهم على الإنسحاب، كالضرب بالعصي والقنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه ورمي الحجارة وغيرها من الأدوات المتوفرة، مستخدمةً قوى الأمن الداخلي وقوات مكافحة الشغب وفصائل متعددة من الجيش اللبناني لتنفيذ المهمة.
إن المشكلة في لبنان هي أكبر من أن تواجه باللوم أو الانتقاد المباشر لأنها أبعد من حدود الأفراد أو الأحزاب أو الطوائف، ذلك أن كلاً من الأفرقاء مرهونٌ لجهة خارجية يأتمر بأمرها ويتقيد باجندتها وينفذ قراراتها. وبالتالي قد تتوجه باللوم على جهة معينة، غير أن المسؤولية تقع على مجهولٍ متنكرٍ يقف وراءها في الخفاء..
قيل إن وراء الحراك من يدعم ويمول ويدرب وكأن في الأمر تحضيراً لانقلاب على السلطة. فقامت السلطة بأخذ الحيطة بمواجهات استباقية وعاملت المنتفضين بالقسوة والعنف بشتى الأساليب المتاحة.
وقيل إن مسؤولية التدهور الاقتصادي والمالي يقع بالدرجة الأولى على المنتفضين الذين يتظاهرون في الشوارع ويمنعون الناس من مزاولة أعمالهم المعتادة.. وقد حال هذا الحراك دون تدفق أموال المغتربين إلى لبنان كما توقفت حركة السياحة وحركة الإستيراد والتصدير وغيرها من القطاعات الحيوية التي تنعش البلاد بدورة اقتصادية طبيعية. غير أن الواقع يشير إلى غير ذلك، فالانهيار الاقتصادي كان قد بدأ قبل الانتفاضة بعدة أشهر..
لن أوجه أصابع الإتهام إلى أحد، ولن أحمل المسؤولية لأية جهةٍ كانت. لكنني أتمنى وأتطلع إلى يومٍ تهدأ فيه خواطر جميع الأطراف اللبنانية لتعمل يداً بيد وجنباً إلى جنب من أجل ولادة لبنان الجديد المعافى من كل عورة وشائبة.. لقد آن لنا، كلبنانيين، في الحراك أم في السلطة، أن ننزع عن وجوهنا الأقنعة التي أقامت الحواجز فيما بيننا ولنتجاوز كل القوانين وآلياتها المعيقة لاجتماعنا وتقدمنا، ولنباشر في تأسيس جديد يحفظ لنا وجهنا جميعاً بعيداً عن متناول الخارج وأخطاره. لقد حان الوقت أن يحظى لبنان بوقفة عزٍّ تحميه وتصون كرامته وتحقق سيادته على أرضه..
ـ كنت قد ذكرت في مقال بتاريخ 03/11/2019 بعنوان "لبنان الثورة إلى أين؟": إن الانتفاضة السلمية غير قادرة على تحقيق التغيير لاعتباراتٍ عديدة أهمها عدم توافر الآلية الدستورية، وبالتالي لا يمكن الطلب إلى أهل السلطة بإجراء التغيير كمن يقلب الطاولة على رأسه..؟
ـ كما أشرت في مقال بتاريخ 02/02/2020 بعنوان "الثورة والثورة المضادة" إلى أن “الثوار” كانوا يراهنون على رضوخ السلطة للضغط الشعبي نتيجة قيامهم بالتظاهرات اليومية والتأكيد على المطالب المحقة. إلا أن السلطة لم تحرك ساكناً بل واجهت الثورة بثورة مضادة وأجازت لنفسها استخدام القوة ومواجهة المتظاهرين بوسائل ردعية غير قانونية..
ـ أما اليوم وفي هذا المقال بتاريخ 20/02/2020 سأضيف على ما تقدم أن السلطة تعلن الحرب على المواطنين وجميع الفئات الشعبية التي لا تدين بدينها بحيث تمارس عملية الإلغاء المبرمج على كل من يخالفها الرأي حتى يستقيم لها الأمر بدون منازع. كل هذا ونحن على قاب قوسين من استحقاقات مالية ضخمة قد تؤدي بنا إلى الانهيار التام..
وماذا عن النتائج.. لست أدري ولا السلطة تدري.. سنكتفي بالقول: الله يستر..!!
Khaled.homaidan@gmail.com