Wednesday 20th of January 2021 12:53:36 PM

استغفروا "كورونا" وتوبوا إلى الله..!

بقلم: خالد حميدان رئيس المنتدى الثقافي اللبناني الكندي
26 اذار 2020

صحيح أن زمن العجائب والغرائب قد ولّى ولكن يبقى هناك من الغرائب ما لم يبلغه العقل البشري بعد. وإذا ما أشرنا إليه بالمعيار أو المقارنة أو حتى بالتأمل، فمن الثابت أننا لن نتوصل إلى نتيجة تحدد أصله وفصله. إنه الـ "كورونا" الذي يفرض وجوده اليوم في كل مكان ويهدد الإنسان في كل بقاع الأرض بوحشية غير مسبوقة. إنه الوباء الذي يتحدى العقل البشري ويدخل الرعب في كل مدينة وقرية وشارع ويجعل الأجهزة العلمية والطبية تتسابق لإيجاد العلاج والأساليب الناجعة لمكافحته. وكل ما توصل إليه الطب والعلم حتى الساعة، هو اعتبار هذا الوباء سريع العدوى ووجوب دعوة الناس إلى الإنعزال وملازمة المنازل بالإضافة إلى تطبيقات إضافية كالابتعاد ما أمكن عن التجمعات والاحتفالات والامتناع عن مزاولة العمل وعدم الخروج من البيت إلا للضرورة القصوى.
هل للقارئ الكريم أن يتصور معي حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية التي يسير إليها العالم إذا ما طالت أزمة الكورونا قبل أن يُكتشف العلاج الشافي؟
ملازمة البيت، هو أمر أوجبته الحكومات في جميع دول العالم. وهذا يعني توقف جميع الموظفين والعمال عن العمل والإنتاج وبالتالي إتجاه الأفراد والمؤسسات الحكومية والأهلية إلى صرف المدخرات من الأموال بانتظار احتواء الأزمة "الكورونية". وإذا ما طالت الأزمة فمن البديهي أن يؤدي ذلك إلى ذوبان المدَّخر، فالانهيار الاقتصادي، فالإفلاس المالي في كل القطاعات. وهذا يؤدي بالتالي، لا قدر الله، إلى كوارث إنسانية غير محدودة المعالم. وبصرف النظر عن طول مدة الأزمة أو قصرها، فإن الضرر قد تحقق فعلاً وأرخى بظلاله على كل المرافق الحيوية في بلدان العالم أجمع.
وبعيداً عن الصورة السلبية القاتمة لهذا الوباء، يبقى هناك بعض لا يحصى من التداعيات الإيجابية. فقد أقام الكورونا العدل والمساواة بين البشر، ما عجزت عنه إيديولوجيات المفكرين والقياديين المبشّرين من كل مذهب أو دين على امتداد قرونٍ من الزمن. أزيلت الحواجز بين مختلف فئات الشعب: فتساوى الكبير بالصغير والقوي بالضعيف والغني بالفقير. كما أزيل الغطاء عن الطبقية الكرتونية في هياكل الإقطاع الطائفي والعائلي والسياسي والمالي. الكل يعيش الضجر والرعب خلف جدران بيته وكأنه خلف قضبان الحديد والكل يترقب مصيره مرتعشاً بانتظار ما سيحمله يومٌ جديد..
وفي لبنان من المفترض أن يلتزم الجميع بتوجيهات الحكومة التي أعلنت التعبئة العامة في إطار حالة الطوارئ بوجه الوباء الخبيث مستخدمةً نداءً معكوساً مفاده: "تباعدوا عن بعضكم بعضاً، ففي تباعدكم تكمن قوتكم" بدلاً من القول: "تقاربوا من بعضكم بعضاً ففي تقاربكم وحدة وقوة". الجدير بالذكر أن مثل هذا النداء المعكوس يدخل في التخاطب للمرة الأولى، ويبدو أن مع كورونا تبدلت المفاهيم واستُحدِث نمط جديد للمقاربة والمخاطبة في شتى المجالات..
وعلى هامش الحالة الكورونية هذه، نرى من لا يزال يقابل التوجيهات والنداءات المتكررة بشيئ من الاستخفاف واللامبالاة، بتصرف غير مسؤول بحيث يعرض نفسه ومن حوله لالتقاط الوباء الآخذ بالانتشار. وأكثر من هذا إذ نرى البعض يشمت وينظر إلى بعض المصابين الذين لا يتفقون معه بالرأي، بشيئ من السخرية والكيدية السياسية وكأن الدنيا بألف خير ويجوز في مثل هذا الوقت الحرج المزاح والتحدي والاستهتار.. لقد توقف العمل السياسي في كل بلدان العالم وانصرف المسؤولون في خندق واحد، على اختلاف ميولهم ونزعاتهم، إلى إعلان حرب مدمرة بوجه عدو قاهر يهدد وجودهم وهم يعملون ليل نهار للقضاء عليه. وكأن أخباراً كهذه لم تصل إلى لبنان لتكون قدوةً لبعض مدعي الفهم و"الإبداع السياسي" الذين نخر عظامهم الجهل والتخلف. ومثل هذا الأمر الفريد، مع الأسف، لا يمكن حدوثه إلا في بلاد الشمس..
اليوم وقد لازم كلٌ منزله محاطاً بصفاء روحاني، يحلو التأمل والعودة إلى الذات طالما يسمح الوقت بذلك ـ وقد ربحت كورونا المعركة الأولى ـ لمراجعة أخطائنا وهفواتنا وتصويب ما أمكن من خطواتنا بدافع المحبة والإيمان لنكون معاً في مواجهة العدو المشترك. وهكذا متى زالت المحنة، نكون على استعداد للوقوف إلى جانب أخوتنا وأخواتنا في المواطنة والإنسانية. ففي تكافلنا وتعاضدنا تكمن قوتنا لمواجهة كل المحن والأعاصير..
وفي نهاية هذه الحرب الضروس، في انتصارنا أو انهزامنا، يجب الخضوع والاعتراف أن "كورونا" قد علمنا، على غرار المرسلين والأنبياء، درساً لن ننساه لتصويب دعاءنا وسلوكنا فيما يخدم وحدتنا الاجتماعية والإقلاع عن الكفر الذي نمارسه على الأرض في تعاملنا اليومي. ومن أجل أن نظفر بالرضى والثواب، أقول: استغفروا كورونا وتوبوا إلى الله..