Wednesday 20th of January 2021 01:14:27 PM

ماذا بعد كورونا..؟

خالد حميدان
13 ايار 2020

نعيش اليوم في زمن الـ"كورونا" محنة جماعية فرضت نفسها على شعوب الأرض قاطبةً بتعابير جديدة وعادات وتدابير وقائية جديدة تتلخص بملازمة البيت وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى مع مراعاة الإبقاء على مسافة من الآخرين سميت بإجراءات الإبعاد الاجتماعي “Social Distancing Measures”الغاية منها منع تفشي الكورونا بين المواطنين حفاظاً على أمنهم وسلامتهم لسهولة انتقال هذا الوباء بالعدوى، وقد خلق بينهم جواً من القلق والهلع. أما الإجراءات المعتمدة تبدو غير ممكنة التطبيق بالكامل لأنها تحبس الناس وتقلص من الإنتاج بجميع أنواعه وتشل حركة الاقتصاد الوطني. ومع هذا اتجهت الحكومات إلى هذه التدابير التي اعتبرتها مؤقتة بالإضافة إلى تشريعات مالية تسمح بصرف بعض التعويضات على المتضررين ظناً بأنه لا بد للوباء أن ينحسر في فترة أسابيع أو أشهر قليلة. وقد أصبح الجميع، في كل بلاد العالم، أسرى المنازل يمارسون ذات العادات في المأكل والمشرب والرياضة والإبعاد والإبتعاد الاجتماعي عن كل الناس بمن فيهم الأولاد والأحفاد، ولم يعد من وسيلة للتواصل مع الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل سوى التلفون أو إحدى الوسائل الإلكترونية وأبرزها "الفيديو" حيث تلتقي من تريد في أي وقت تريد دون تحديد مواعيد مسبقة، لأن الجميع متواجد في المنازل قطعاً بحكم الاحتجاز القسري. وغالباً ما يكون هذا الاحتجاز القسري إرادياً يأتيه الإنسان هروباً من الموت..
لقد أدى بنا الإبعاد الاجتماعي إلى التخلي عن كثير من العادات التي ألفناها في العلاقات العائلية والاجتماعية والتي يعتبرها الجميع واجباتٍ ملزمة: كالزيارات والاستقبالات، ومراسم الموت والزواج، والحفلات والاحتفالات، وارتياد دور السينما والمسارح والمطاعم، والمدارس والجامعات إلخ.. هذه وكثير غيرها، باتت تشكل اليوم مصدر هلع وارتباك، كأسلحة الدمار الشامل، تهدد وجودنا لأنها قد تسبب الموت. ومع فكرة الموت تسقط كل العادات.. لا يتعلق الأمر بوباء "كورونا" المستجد ليدبَّ الهلع بين الناس، ذلك أن هناك أسباباً أخرى كانت توجب الإصابة بالهلع والارتباك قبل كورونا، كالاحتباس الحراري والتلوث البيئي وسباق التسلح النووي وحوادث السير والحروب التي لا تنتهي في مختلف بقاع الأرض، وبالطبع كثير غيرها.. لكن مع فيروس كورونا يختلف الأمر لأنه ينتقل بالعدوى وقد يسبب الموت. ومع فكرة الموت يصاب الإنسان بالخوف والقلق على حياته ما يؤدي به إلى الاكتئاب وهذا بدوره يتحول إلى وباء جماعي يسير بمحاذاة الوباء الأصلي القاتل.
يتجه العالم اليوم نحو إقفال جميع مراكز العمل وضبط النفس في المنازل، بانتظار ما سينتج عن دراسات وتشخيصات المختصين في علوم الأوبئة والطب والنفس. بصراحة أقول، وهذا رأيٌ شخصي، لا يمكن التفاؤل بالتخلص من وباء الكورونا إلا إذا تم اكتشاف اللقاح الذي يقضي على انتشاره، وبالتالي لا يمكن التكهّن إلى أين ستمضي الأمور وماذا ستكون النتائج التي قد تكون كارثية إذا طال الانتظار. هذا وقد فقدَ أكثر من 50 مليوناً عملهم في مختلف أرجاء العالم وتضرر الاقتصاد العالمي حتى اليوم بنسبة عالية جداً، قد تحتاج عملية الترميم إلى عقود من الزمن. فماذا لو تزايد عدد الإصابات والموتى بشكل مضطرد، هل ستتمكن الحكومات من السيطرة على الوضع الاقتصادي الآخذ بالتدهور؟
ويبقى السؤال الأكبر: ماذا لو لم يتم القضاء على الوباء أي حالة عدم استحداث لقاح على الإطلاق؟ فمن البديهي أن يستمر تفشي المرض عاماً بعد عام، وسيستمر عدد القتلى العالمي في الارتفاع.. وسيؤدي هذا الواقع إلى بلبلة إجتماعية واقتصادية من جراء القلق والخوف.
الدكتور ديفيد نابارو، أستاذ الصحة العالمية في “كلية لندن الامبراطورية” للعلوم والتكنولوجيا، “Imperial College London” والمبعوث الخاص لمنظمة الصحة العالمية، يقول: "هناك بعض الفيروسات التي ما زلنا لا نملك لقاحات ضدها. ولا يمكننا أن نفترض أن اللقاح سيظهر بسهولة، أو إذا ظهر، سيكون حتماً فعالاً". وفي حديث لمحطةCNN الإخبارية يقول: "من الضروري للغاية أن نكون قادرين على ممارسة الحياة الاجتماعية والنشاط الإقتصادي مع انتشار الفيروس في مجتمعاتنا". وهذا يعني أن نعيش حياتنا بالتوازي مع تفشي الوباء من حولنا.. تصريح في غاية الخطورة لكنه واقعي على ما يبدو.. كما يقول العالم الاقتصادي الدكتور عاطف قبرصي، أستاذ الاقتصاد في جامعة ماك ماستر، في مقال نشر في صحيفة “Hamilton Spectator” بعنوان: "لا يمكننا الحفاظ على الحياة أو القيام بالأعمال على كوكب ميت"، يقول ما ترجمته: " Sars, Mers, Ebola, HIV & Nipah وغيرها من الفيروسات وكلها من الطبيعة، كانت لنا تحذيرات "معتدلة". لكننا لم نتعلم منها معتقدين أن سحرنا التكنولوجي والعلمي قد أتقنها أو تعداها. فغرسنا رؤوسنا في الأرض. وها نحن اليوم نرى الأحداث تكشف عن واقعنا الجديد القاصر. من الواضح أن زيادة الضغط على المحيط الحيوي سيؤدي إلى المزيد من المفاجآت السلبية، وهذا يعني أن بقاءنا يعتمد على إبقاء تطلعاتنا في الاستهلاك والإنتاج في حدود الكوكب. إننا بحاجة لنتعلم كيف نعيش كجزء من هذه الطبيعة، وليس كعدو لها.. لدينا القدرة كما أن لدينا البيانات والأدوات المتاحة لكننا نفتقر إلى القرار السياسي والاقتصادي لاستخدامها وتطبيقها. نأمل بلوغ ذلك قبل فوات الأوان".
هذا ولا يزال لدى معظم الخبراء حول العالم ملء الثقة من أنه سيتم تطوير لقاح فيروس كورونا بشكل جزئي إن لم يكن كلياً.. يستسلم البعض للقدر والتسليم بإرادة الله دون عناء التفكير بما سيحمله الغد. بينما يعتقد البعض الآخر أنه لا بد من السيطرة على الوباء ولو بعد حين لأنه يعمل الخبراء ليل نهار لإيجاد اللقاح اللازم. لا بد من الانتظار إذن ولكن.. كيف سيبدو واقعنا بعد كورونا إذا بقينا على قيد الحياة؟ هل سنتخلى عن عاداتنا كلياً أم جزئياً؟ هل ستعود القيم والمبادىء التي حملناها عقوداً من الزمن لتحتل مكانها في رؤوسنا؟ هل سننفتح على العالم لمواجهة الاحتمالات المستقبلية معاً أم إننا سندير الظهر ونزيد في الانقسامات واللامبالاة؟ هذه وأسئلة كثيرة أخرى تحتاج إلى أجوبة لكن طرحها الآن يبدو سابقاً لأوانه وما علينا سوى الإنتظار..!!