Tuesday 19th of January 2021 06:12:37 AM

ليبيا وجيشها العربي بين السندان الروسي والمطرقة التركية...

خالد ممدوح العزّي
03 حزيران 2020

لقد أصبح من الواضح بان ليبيا في طريقها الى حرب طويلة الامد بسبب تدخل روسيا وتركيا في الازمة الداخلية الليبية وتعميق الانقسام داخل المجتمع الليبي الذي يعاني من ازمة فعلية قامت بعد الثورة على النظام السابق تحت حجة التغيير، والتنمية ، السياسية ، والاجتماعية، التي كانت مغيبة بسبب النظام السابق مما ساهم ذلك بمساعدة حركة الاخوان المسلمين، والاحزاب المتشددة بالعودة الى ليبيا، ولديها نهم وشراهة بالسلطة ، والسيطرة ، والانتقام ، وقد ساعدهم في تلك الفترة المد الاخواني في دول الربيع العربي، والتفاهمات الدولية وغياب المعارضة الديمقراطية الحقيقية حيث وقع الناس في فخ الاخوان، والتضامن معهم ، لكن الاخوان كان مخططهم يختلف كليا عما اراده الناس في عملية التغيير . فهذه الاجواء سادت في كل الدول العربية، ولعبت تركيا دور العراب لإعادة السيطرة على المنطقة السنية من خلال حلم قديم بعودة السلطان الجديد بأطماع جديدة كما هو حال الاطماع الايرانية بالمنطقة أيضاً . فكانت ليبيا مكان جيد بعد سوريا للعودة الى لعب هذا الدور السلطاني الجديد ، ليبيا غنية جدا ليس فقط بالبترول ، والغاز الذي يصل الى اوروبا بل بالشاطئ الرملي الابيض المتواجد على المتوسط لكن السياحة غائبة، ومغيبة ، ليبيا دولة زراعية كبيرة ، وخاصة الحمضيات ، ولكن الزراعة مغيبة ، الصناعة مغيبة ، ليبيا بوابة المتوسط على افريقيا ، والبوابة العربية على اوروبا . بالرغم من ذلك حاولت تركيا العودة الى لعب دور في ليبيا من خلال الخروج من اتفاقية البحر التي تنتهي قريبا ، ومن خلال كسرها ستتمكن تركيا لعب دور جديد في المنطقة كم حال الدور التي لعبته في قبرص التركية ، وسورية اليوم بالتوافق مع الروس ، فكانت ليبيا الهدف المركزي تحت عنوان مساعدة اقلية تركية منذ مئة عام في مصراته ، فكان الدخول الى ليبيا من خلال اتفاقية مع حكومة السراج وضعف واضح للدور الغربي وخاصة بظل الخلاف بين فرنسا وايطاليا وسكوت امريكي عما يحدث في ليبيا ومشاركة كبيرة لحركة الاخوان، وقيادات اسلامية تم وضعهم دوليا تحت بند ملاحقة الارهاب . بمعنى اخر تركيا تتحرك في ساحات وميادين الجوار العربي، استغلالاً لحالة الفراغ الامني وسعيا لتحقيق مصالحها الامنية ، والسياسية والاقتصادية ، وذلك في مواجهة كافة الاطراف الاقليمية الاخرى ، التي تتبنى مقاربات مغايرة تقوم على سياسات دعم الاستقرار لا استغلال الجوار، ومواجهة الارهاب، لا مساندته وتسليحه ، واستضافة عناصره وكوادر تنظيمه . لقد اتفقت روسيا وتركيا للتوجه نحو ليبيا من اجل تقاسم المغانم المالية، والجيوسياسية في هذا البلد الذي يتمزق بطريقة بشعة وانتقامية . حاول الطرفان تقاسم ليبيا بظل الفراغ السياسي والامني السائد مع السعي لإنشاء نوع جديد من استانا او سوتشي جديدة في ليبيا كما حال سوريا وتقاسم النفوذ في سوريا وليبيا بين الاصدقاء . روسيا تحاول اعادة مصالحها التي فقدت مع النظام السابق وتوسيع قواعد جديدة في ليبيا والاطلالة الجديدة على منطقة الشرق الاوسط بعدما كانت روسيا تنظر لنجاحها العسكري في سوريا ولها توظيف سياسي في المنطقة العربية ، لكن كما يبدو تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. فبالرغم من وجود علاقة مع الجيش الليبي لم تحاول روسيا تخطي الحظر المفروض على الدولة الليبية بإرسال سلاح ودعم للمشير خليفة حفتر بالرغم من الزيارات المتكررة للمشير وقادة الجيش والتي كانت اخرها في لقاء مع السراج في موسكو فشلت موسكو بتوقيع الاثنين على اتفاق يبدأ بإيجاد الحل السلمي لليبيا حتى تكون موسكو العراب له. روسيا التي تحاول الحفاظ على مصالحها وتحديدا الاستثمار في مجال الغاز والنفط وعدم المواجهة مع الغرب وازعاج الغرب طالما الجيش يسيطر على 80% من الاراضي السورية حتى لو كانت منتشرة مجموعات فانغر المرتزقة. فروسيا لن تتحمل مسؤوليتهم المباشرة ، وبالتالي كانت تحاول الضغط على تركيا في سوريا وتحديدا في ادلب ، ولن تدخل في مواجهة مع الاتراك في ليبيا للعديد من الاسباب. فالجيش لايزال يمتلك المبادرة في ليبيا بغض النظر عن اخفاق من هنا او من هناك التي تشكل لحكومة الوفاق نصرا اعلاميا وخصة قاعدة عقبة بن نافع القريبة من "ترهونة "التي تركها الجيش بعد ان تم ضربها بصواريخ توماهوك من البوارج التركية بعد الفشل المتعدد بالهجمات البرية والجوية . التوافقات التركية الروسية كما يبدو مرحلية ولن تدوم كثيرا بحال باتت موسكو تتعرض للضغط من الخارج او من خلال الخلاف الداخلي التركي -الروسي . فاذا روسيا تريد ايجاد قواعد عسكرية لتبنيها في ليبيا والتي ستضمن وجودها العسكري والاقتصادي من ناحية وطرح نفسها لاعبا اساسيا في الازمة الليبية من ناحية اخرى . لكن اطماع تركيا وتصريحات مسؤوليها بانها ارثا للعثمانيين وانها جارة لتركيا ،ولديها محيط حضاري كبير من شرق المتوسط حتى شمال افريقيا. لكن تركيا لن تستطيع السيطرة على ليبيا والدخول في مواجهة مباشرة مع الجيش بظل التحالفات القبلية والعشائرية والامتداد الخارجي لجيران ليبيا ، تركيا تحارب بالمرتزقة وتامين دعم لوجستي وعسكري واستخباراتي، لكن المواجهة مع الروس غير ناجحة للعديد من الاسباب اولها بان القواعد الروسية في سوريا اقرب واسرع في الوصل لدعم التواجد الروسي ، اضافة الى ان التقنية العسكرية الروسية متطورة اكثر بكثير من التركية . اضافة الى ان روسيا تملك علاقة جيدة مع كل من مصر والامارات والسعودية اعداء تركيا العلنيين، لذلك تركيا تعرف بان وجودها في ليبيا يثير الجميع وهي تعمل على ان تكون لاعب اساسي في حل الازمة الليبية من خلال ابقاء حكومة الوفاق التي تؤمن لتركيا غطاء سياسي ودبلوماسي لذلك تعويم الوفاق هو نصرا لتركيا اضافة الى سيطرة تركيا على استثمارات مالية عالية في طرابلس ، بالإضافة الى ابقاء البنك المركزي بأيدي الاخوان وانابيب النفط الذي يؤمن لتركيا مصادر مالية ثابته بظل الانهيار الاقتصادي الواضح للدولة الاردوغانية. لذلك تعاني تركيا من ازمة فعلية في ليبيا لن يكتب لها النصر او الاستمرار لكن الهزيمة ممنوعة للسلطان لأنها هزيمة سياسية. لذلك الحرب ستطول وستطول لمصلحة اردوغان حتى يتم انجاز حل سياسي يحفظ لتركيا ماء الوجه. اما الجهة العربية فهي ترى بان تركيا لا تستطيع السيطرة على ليبيا ولا على قرارها السياسي وفشلت تركيا بتشكيل جبهة سياسية مؤيدة لتركيا وقطر وادخال تونس والجزائر اليها ، فالرد المصري لايزال يستعمل الدبلوماسية الخشنة ضد حركة اردوغان مدعوما بالتوجهات السعودية والسودانية والإماراتية، ولاتزال مصر بعيدة عن المواجه العسكرية لكنها لا تستبعدها اذا اضطرت اليها لان العبث في ليبيا من قبل ليبيا هو خطر على الامن القومي المصري لان الهدف من ليبيا هو محاصرة مصر، والعبث فيها بواسطة جماعات الاخوان، والمجموعات الجهادية التي تقاتل في سيناء. يبقى الموقف الامريكي بالنظر الى اللاعبين الاساسيين في ليبيا فهي بالطبع ضد أي تدخل روسي وترفضها نهائيا وتعمل على منع تمددهم الجديد وعدم السماح لهم بلعب دور كما في سوريا . اما بالنسبة لتركيا لاتزال العلاقة متوترة مع الولايات المتحدة ولن تسمح لها بالسيطرة على ليبيا والتهديد بها من خلال ورقة الغاز والمهاجرين الأفارقة ، وتهديد حليف امريكا بهما لان الأوروبيين سيكونون بمواجهة مباشرة مع تركيا.