Sunday 24th of January 2021 09:47:23 PM

زلزال بيروت الكارثي يعيد الانظار نحو الحراك اللبناني...

بقلم د. خالد ممدوح العزّي
07 آب 2020

كارثة انسانية عاشها لبنان بكل ما من معنى للكلمة فلم يكن الثلاثاء بتاريخ 4 اب يوما عاديا في العاصمة بيروت ، نتيجة الحدث الزلزالي الذي ضرب لبنان ، يوماً اسود لا يشبه اي من تلك الايام التي مرت على لبنان . هذا اليوم لا يشبه تفجير موكب الرئيس رفيق الحريري او عملية تفجير المارينز في العام 1983 او اثناء الحرب الاهلية البشعة التي لم نتذكر يوم يشبه هذا اليوم ولا حتى ايام حصار بيروت عام 1982 وتحديدا في 4 اب اعنف ايام الحصار الصهيوني ، يوم ضربها الطيران الصهيوني على مدى 20 ساعة متواصلة . فقط يمكن التشبيه بحادثة 11 ايلول الكارثية ويمكن إعتبار قوة الانفجار ثاني حدث في العالم الحديث، بعد حادثة هيروشيما اليابانية التي يصادف ذكراها 6 اب اي قبيل انتهى الحرب العالمية الثانية بأيام وبداية الحرب الباردة بين القطبين السوفياتي والامريكي . لقد شهدنا هذه المظاهر البشعة التي سيطرت على بيروت وشوارعها الحزينة فقط في الافلام السوفياتية الروسية بعد سقوط مدينة برلين النازية بأيدي السوفيات والحلفاء في 7 ايار عام 1945 . بيروت المدينة المرهقة بسبب الجوع والوباء ومصادرة اموال الناس تحولت بلحظة الى مدينة منكوبة تغرق في الحزن والخوف والقلق على ابنائها الابرياء ، لحظة كشفت الوجوه القبيحة لهذه السلطة التي تدير شؤون الدولة لسنوات طويلة حيث عملت على تدميرها وتدمير الحياة فيها . لقد سمع المواطن نظريات وسيناريوهات كثيرة لما حدث نتيجة الاهمال المزمن في المرفأ إلى استهداف اسرائيلي لمخازن سلاح لحزب الله كرسالة فعلية قبل صدور حكم المحكمة الدولية بجريمة الشهيد رفيق الحريري او استخدام هذه الضربة لتغيير قواعد الاشتباك الدولية لجهة مهمة اليونيفيل المنتشرة في الجنوب والتي بات التلويح بعدم التجديد لها طالما لا يتم تنفيذ القرار 1701، بين التحليلات المختلفة والاخبار التي تنتشر بسرعة وتسحب وبين ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي . يمكن القول بان كل التصورات والسيناريوهات صحيحة طالما لا تزال الدولة المعنية غائبة عن تقديم تفسير منطقي قابل للقبول لدى الناس الذين تعرضوا للضربة والهلع من جراء ما حصل . فالتصريحات المتضاربة التي كانت تنشر من هنا وهناك وحتى على لسان المسؤولين والتي لم تكن تنم بمعرفة الامور والتي كانت متضاربة شكلت بدورها شك فعلي برواية الدولة . لم تخرج الدولة لتخبر اهل بيروت بحقيقة ما جرى وما حصل لجهة الحادثة المؤلمة اذا كانت الدولة العبرية المسؤولة او لجهة اخطاء بشرية في عملية التخزين لمادة نترات الامونيوم. فهذه المادة التي تم تخزينها في مرفأ بيروت هي نتيجة احتجاز باخرة قادمة من جورجيا لاحد التجار الروس الذي استقدم على متن السفينة هذه الحمولة الغير شرعية وتبلغ 2750 طن من نترات الامونيوم في عام 2015، حيث اعلن عنها بانها متجهة نحو موزامبيق وتعرضت لعطل منعها من اكمال الطريق حيث تم احتجازها في بيروت وتخلى صاحبها عنها وذهب الى قبرص وتم اخلاء ركابها بعد وساطة دبلوماسية وشركة محاماة حيث افرج عن الركاب الذين يجهلون ماذا تحمل السفينة ولم يتقاضوا اجرهم . منذ ذاك التاريخ والسفينة المحتجزة تقبع حمولتها في المرفأ دون التفكير حتى اليوم بماذا سيحل بهذه المواد الخطرة المختزنة في وسط العاصمة قريبة من السكان دون الاهتمام بطبيعة هذه المواد وطريقة تخزينها من قبل المعنيين . الى يوم الكارثة التي حلت على بيروت وشوهت المدينة للابد. بالرغم من اشارة بعض مسؤولي الاجهزة الى خطورة تواجد هذه البضاعة في الوسط البحري ،اضافة الى تلميح رئيس وزراء الكيان الصهيوني بتواجد هذه النوعية من المواد المتفجرة والتي تستخدم بالأصل في الاسمدة الزراعية في مطار بيروت من خلال عرض صور للمكان ،دون الاهتمام اللبناني للتهديد الصهيوني، والذي يجب ان نضعه في عين العاصفة وليس تحييده. يقول جون وايت ، خبير التخلص من القنابل القديمة في الجيش البريطاني لصحيفة "اندبندنت الإنكليزية":" بان تفجير هذه المادة سيتطلب اضافة لحرارة قوية ناتجة عن مفجر، متصل بجهاز تفجير للتأكد من انه سيتم تفجيرها بصدمة واحدة وايضا لن يؤدي اي حريق في مستودع كما التفجير الضخم الذي حدث في بيروت في العنبر 12". وهذا التحليل ينطبق مع العديد من التحليلات العسكرية المحلية والدولية التي تصر على ان عملية التفجير هي نتيجة صدمة تفجيرية .قد تكون داخلية او خارجية نترك الموضوع للتحقيق واعلان النتيجة النهائية . فكل الاشارات الامريكية من الرئيس والبيت الابيض تشير الى هجوم صاروخي تعرض له مرفأ بيروت ، بالإضافة الى التصريحات الروسية التي تؤكد بان الرادارات العسكرية كانت تتابع اطلاق صاروخ حربي وتم فقدانه لاحقا ، لكن الجانب اللبناني يستبعد كليا فرضية تورط الكيان الصهيوني في العملية البشعة. لقد ربطت التقارير الصحافية التي تعمل على التقاط ونشر معلومات وليس على تحقيقات ومعلومات مؤكدة بوجود هذه الكميات المتفجرة في مطار بيروت وربطها بحزب الله نسبة الى الجهات الخارجية التي اعلنت بانها اكتشفتها وجود نيترات الامونيوم واعتقال خلية للحزب في كل من ( قبرص 2012-2015بولوفيا 2017 والمانيا 2020 )، واليوم بيروت مما جعل الاعلام يتوجه بسيناريوهاته نحو فرضية الربط بين هذه الاحداث وما حدث في بيروت لكن تبقى صحة الفرضية معلقة بانتهاء التحقيق وصدور التحقيق المنتظر . لكن هذا الانفجار الهائل اختصر كل الارتكابات بحق هذا البلد وبيئته وناسه لا نه لا يوجد رحمة في قلوب المسؤولين الذين اوصلوا البلد الى هذه الحالة ولن يسلم الشعب ويسكت الا برحيلهم كلهم من خلال اعادة رفع شعار الثورة "كلن يعني كلن". فان زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى لبنان ماذا ستحمل في طياتها وخاصة بانها لم تكون موضوعة في جول أولوياته ، فهل اتت بسرعة كم حادث مع الرئيس جاك شيراك ابان اغتيال الرئيس الحريري في العام 2005 والتي اقرت بعدها المحكمة الدولية لمعاقبة الجناة ، فهل سيتكرر المشهد مرة اخرى لجهة تشكيل محكمة دولية خاصة بمعرفة الاسباب التي ادت لحدوث الزلزال الغريب في بيروت ، وخاصة بان الفريق الحاكم يرفض اي تحقيق دولي بهذا الشأن بالوقت الذي تتعالى الاصوات الداخلية بعدم ثقتها بهذا الفريق مما يدفعهم لرفع الصوت عاليا وتتحول المطالبة الى مواجهة في الشارع ويكون العام 2020 يشبه العام 2005. يبقى السؤال المفتوح ماذا يحمل الرئيس الفرنسي في جعبته للقادة اللبنانيين وما المطلوب تنفيذه سريعا ، لان زيارة ماكرون السريعة والمفاجأة سيكون لها انعكاس دولي على لبنان. المنتفضون وسكان بيروت والمتضررون ينادون الاشقاء العرب ودول العالم الحر بان لا تتركوا بيروت وحيدة تواجه مصيرها المجهول دون نجدتها وحمايتها من ابواب القانون الدولي والقانون الانساني ، بالطبع فان شرعة حقوق الانسان هي فوق شرعة الدول والسيادة وسلطة العقائد ، والسياسات ومطلقيها ، لذلك تطالب القوانين الدولية بنزع حضانة الاطفال من الاهل حين يشكلون خطرا على ابنائهم ، وكذلك يجب ان ينطبق القانون الانساني على السيادة والحكم و الانظمة او الحكومات حين يصبحون خطرا على شعوبهم وحياة الناس والبيئة في هذه الدول الفاشلة . بيروت الجريحة ما بين الرابع من اب 1982 اعنف ايام الحصار الصهيوني على المدينة الجائعة والمحاصرة والمحترقة التي لم ترفع الاعلام البيضاء ، و 4 اب 2020 التي لم تنفذ اسرائيل تهديدها بضرب البنية التحتية واعادتها الى العصر الحجري لكنها احترقت على يد حكامها من سياسيين ومصرفيين ومقاولين ومستوردين وسماسرة ووسطاء وكبار موظفين وحواشي من مناصرين واتباع وازلام لطبقة فاشلة جديرة بالانتقام على حساب الغير والاستزلام له. لقد بات على الشعب النزول واعلان الثورة والانتفاضة بوجه هذه الطبقة الفاشلة واستعادة البلد قبل ان يصبح نموذجا من زلزال المرفأ، لان الثورة تولد من رحم الاحزان وليس من تراتيل لا لا لا لا ، قومي يا بيروت وانهضي من تحت الردمي كزهرة لوز في نيسان . لابد من يقظة شعبية وحس وطني يعيد تصويب البوصلة نحو الهدف الحقيقي الذي يكمن في استعادة البلد وتطبيق القانون والدستور بصورة سليمة من خلال استكمال ثورة 17 تشرين المطلبية ، وليس الانجرار نحو مازق لا يمكن الخروج منها الا بالانتحار.
د.خالد ممدوح العزي. كاتب وباحث لبناني .