Sunday 24th of January 2021 11:20:19 AM

الضمانة لحماية الطوائف..

بقلم خالد حميدان
20 آب 2020

يعيش المواطن في لبنان اليوم واقعاً خطيراً مضللاً إذ تجاوزت الأزمة كل الأعراف والتقاليد اللبنانية وأثيرت جملة من المواضيع التي اعتبرت العثرة على طريق الحل، تضاف إليها النكبة التي حلت بالعاصمة بيروت من قتل وتدمير وخراب، وكأنه لم يكفِ لبنان ما أصابه من أزمات أمنية واقتصادية وحروب أهلية حتى يتعرض اليوم لهذا الزلزال الوحشي الذي قضى على كل المعالم الحضارية في بيروت أو كاد.
من الملاحظ أنه منذ مطلع العام 2013، يعمل أهل السياسية في ممارسات كيدية واستفزازية، على إثارة الأحقاد والنعرات الطائفية في جميع المجالات ويقطعون الطريق على المطالبين بالدولة العلمانية والتشريعات المدنية. وما يحصل بين الأطراف المتنازعة لاستحداث قانون جديد للانتخابات، هو النموذج الحي لكيفية التعاطي غير المسؤول "للمسؤولين" عن قضايا الوطن المصيرية، إذ يدّعي كل منهم تفوقه في اقتراح وتقديم مشروع القانون الذي يضمن "التمثيل الطائفي" خير تمثيل. وهكذا يتسابق الأفرقاء السياسيون في لبنان، بوقاحة وجرأة غير مسبوقتين، إلى إعلان ولائهم للطائفة وليس للوطن..
قيل أن اتفاق الطائف قد خص الطائفة السنية ببعض الامتيازات والصلاحيات من جراء توسيع مهام رئاسة الوزراء على حساب صلاحيات رئيس الجمهورية، بعد أن كانت الطائفة المارونية مستأثرة بامتيازات الجمهورية بموجب ميثاق 1943. إلا أن القيادات السنّية اكتشفت، بعد تجارب السنوات الأخيرة، أنه لا يمكنها الانفراد بالقرار دون الشريك المسيحي، وهذا يعني الاستمرار في السعي إلى الحكم، ولكن بموجب "ميثاق جديد" إذ لم يعد بالامكان تعويل الطائفة السنية على الدعم العربي بعد اليوم حيث الامتداد السني، وفي البلاد العربية ما يكفيها من البلبلة وعدم الاستقرار من جراء تبدد "الربيع العربي" وانتشاره في كل مكان. وهذا ينطبق على المسيحيين كذلك حيث تخلى الغرب عن مدِّهم بالحماية كما في السابق، وقد كانوا بالنسبة إليه، النافذة للتدخل بالشؤون العربية عندما كانت الأبواب العربية موصدة أمامه. أما بعدما انفتح العرب على العالم الغربي وارتموا في أحضانه، لم يعد الغرب بحاجة إليهم.. وقد تمت الاستعاضة عن الدولة المسيحية في لبنان بالدولة المسيحية المستحدثة والأكثر نفعا اليوم في جنوب السودان.
يبدو أن الفريقين في لبنان، الموارنة والسنة تحديداً، قد استوعبا هذه الحقيقة ويعملان على حفظ التمثيل الطائفي من باب الاتكال على النفس وليس على "الوصي الغربي" أو "الولي العربي". وليس لهما من سلاح سوى تحريك النعرات الطائفية لضمان عودتهما إلى مواقع الحكم.. ولكن يبدو أنه غاب عن بال الفريقين بأنهما ليسا اللاعبين الوحيدين في الميدان، فهناك الفريق الشيعي الذي لم يلعب دوره بعد لا في جمهورية ميثاق 1943 ولا في جمهورية ميثاق 1989 (الطائف)، وقد أعد العدة لكي يكون في صدارة الحلبة هذه المرة وليس في دائرة المتفرج. وإن كان لم يعلن هذا الفريق، عن اقتراح تشريعي لقانون الانتخاب كما يفعل الآخرون، إلا أنه يورد تعليقات حول ما يصدر من اقتراحات على لسان بعض المسؤولين البارزين، فمن يمكنه التوقع ماذا يُعدُّ وراء الكواليس..؟
يبدو وكأن ما يحدث على أرض الوطن من جراء السجالات و"الاجتهادات" حول قانون الانتخابات، هو إخراج متقن لسيناريو طائفي موضوع مسبقاً وغايته مصادرة حقوق المواطن وجره إلى حظيرة المذهب الذي ينتمي إليه تهيئاً لاستحقاق الانتخابات النيابية القادمة (إذا ما حصلت)، وكأني بسحابة شؤم تلوح في الأفق من جراء الاستهتار الذي تواجه به قضايا الوطن المصيرية من حيث يدري المعنيون أو لا يدرون..
بقي أن نعوِّلَ على شباب لبنان المدني الذين ينتفضون اليوم لإسقاط النظام الطائفي والتأكيد على بناء الدولة المدنية.. والانتفاضة السلمية، هي الخطوة الواثقة لإحداث التغيير المنشود وبناء الوطن االمؤهل لحماية مواطنيه.. فليطمئن أصحاب الهواجس من مختلف الطوائف ولتهدأ قلوبهم، لأن إسقاط النظام الطائفي في لبنان واستبداله بنظام مدني علماني، لا يلغي دور الطوائف الإرشادي والخدماتي بل هو الضمانة الوحيدة لحماية جميع الطوائف والمذاهب..