Monday 25th of January 2021 07:00:15 AM

سقوط الجمهورية في مئويتها الأولى..

بقلم خالد حميدان  
08/09/2020

لا شك أن المبادرة التي قام بها الرئيس الفرنسي من أجل لبنان خلال الشهر الماضي (آب 2020)، تستوجب التوقف والتمعن لقراءة دوافعها ومضامينها.. ونرى في بادىء الأمر أن نطلق عليها تسمية "المبادرة الفرنسية" بدلاً من المبادرة "الماكرونية" إذ لم يأتِها ماكرون بالإرتجال أو بإرادته المنفردة وإنما حتماً بقرار حكومي فرنسي جاء بعد طول مخاض.
وقبل الدخول بالتفصيل وتجنباً لترداد ما قيل ويقال في تحليلات من هنا وهناك حول هذه المبادرة، نستعرض شريط الأحداث الأبرز التي سبقت ورافقت تلك المبادرة:
على الصعيد المحلي:
ـ الحكومة اللبنانية تفشل أمام تحديات المرحلة إدارياً وسياسياً واقتصادياً وخاصة في عدم قدرتها على إجراء الإصلاحات التي اشترطها بنك النقد الدولي وقد كانت تعول على هذا الأخير لمعالجة الوضع المالي والاقتصادي الآخذ بالتدهور.
ـ إستقالة مجموعة من النواب على أثر انفجار المرفأ الذي ترك وراءه، بالإضافة إلى الضحايا والجرحى والأبنية المدمَّرة، جملة من الاستنكارات والتساؤلات خاصة فيما يتعلق بالمسؤولية الجنائية حول مثل هذا التفجير. ـ وصول مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط دايفيد شنكر إلى بيروت بعد ساعات قليلة على مغادرة ماكرون ليؤكد الدعم الأميركي للمبادرة وإخلاء الساحة للتحرك الفرنسي، لا سيما أن شينكر لم يلتقِ أياً من الرؤساء الثلاثة، بل عقد سلسلة لقاءات مع قوى من المجتمع المدني. وقد أعلن صباح اليوم، الثلاثاء في الثامن من أيلول 2020، بأن المحادثات التي تجري بين لبنان وإسرائيل بوساطة واشنطن تحرز تقدماً ملحوظاً وسيتم في الأسابيع المقبلة توقيع الاتفاق الذي سيعطي لبنان وإسرائيل فرصة المحادثات المباشرة لحل النزاع حول ترسيم الحدود البحرية.
على الصعيد الإقليمي والدولي:
ـ تصريح لوزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو يقول فيه: التعاطي الفرنسي مع لبنان يجري على أعلى مستوى والولايات المتحدة على تواصل مستمر مع فرنسا وتشارك الرئيس ماكرون الأهداف ذاتها.
ـ تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب مفاده: إننا نعمل على دعم لبنان ليستعيد دوره في المنطقة كما أننا سنكون إلى جانب فرنسا في تقديم المساعدات اللازمة.
ـ الإعلان عن قيام إتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي بتاريخ 13 آب 2020. وقد أعلن عنه الرئيس ترامب على أنه العراب لهذا الإنجاز "العظيم". ففي هذه الأجواء التي تحمل مشاريع متغيراتٍ جذرية إلى منطقة الشرق الأوسط، جاءت المبادرة الفرنسية لتطرح علامات استفهام كبيرة.
أولاً: لماذا تقوم فرنسا بمثل هذه المبادرة منفردة في الوقت الذي يزدحم البحر المتوسط بالسفن الحربية المتعددة الجنسيات..؟ هل تجاوزت فرنسا سائر الجنسيات لتتصدر الدور أم جاءت تلك لدعم الدور الفرنسي..؟
ثانياً: من الواضح أنه أوكل للرئيس الفرنسي أمر المهمة، بتوقيع على بياض، ليكون في الواجهة بالاستناد إلى قراءة تاريخية معمقة للعلاقات الفرنسية اللبنانية وخاصة أن الزيارة تصادف في الأول من أيلول 2020 تاريخ المئوية الأولى لقيام دولة لبنان الكبير حيث يعود الفضل فيه للدولة الفرنسية. وهذا هو أقرب الظن وإلا كيف نفسر تصدر فرنسا لمعالجة الوضع اللبناني ومن ورائها الولايات المتحدة وربما دول أخرى ليست في العلن.
ثالثاً: اعتمد ماكرون أساليب مختلفة في طرح مبادرته لإقناع اللبنانيين:
ـ الأسلوب المنطقي، عندما أكد للبطريك الراعي أن الحياد غير ممكن في بلد منقسم عامودياً ذلك أن الحياد يلزمه توافق داخلي قبل كل شيء وهذا أمر غير متوفر في المرحلة الراهنة.
ـ الأسلوب القانوني، عندما أجاب المجتمع المدني والقوى المنتفضة قائلاً: لا يمكن التعويل على انتخابات مبكرة ذلك أن الدعوة إلى الانتخابات تأتي من مجلس النواب. فهل تنتظرون من مجلس يحل نفسه ليجري انتخابات جديدة..؟
ـ الأسلوب السياسي، عندما طلب من أعضاء كتلة "حزب الله" العمل من أجل لبنان لما فيه خير "أولادكم وأحفادكم" بالإضافة إلى تأكيده على ديمقراطية تمثيلهم النيابي.
ـ الأسلوب العاطفي، عندما عيَّن في برنامج الزيارة أن يكون اللقاء بالسيدة فيروز أولاً ولقاؤه بالسيدة ماجدة الرومي آخراً. وقد عمد من خلال هذين اللقائين إلى كسب عاطفة اللبنانيين وفيه ما يدعم موقفه ومبادرته. وبالمناسبة يهمني أن أورد الملاحظة التالية: لا شك أن السيدة فيروز صاحبة القامة الكبيرة والغنية عن كل تعريف وتكريم، لم يشرِّفها الوسام الفرنسي بالقدر الذي شرَّف الوسامَ نفسَه قبولُها له.
ثالثاً: إن منطق التهديد والوعيد الذي جاء فيه ماكرون يؤكد جدية الموقف والدعم الدولي للتحرك الفرنسي خاصة عندما أعطى السلطة اللبنانية مهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ الإصلاحات ومن ثم الحصول على أموال "سيدر" وإلا سينزل برموز هذه السلطة أشد العقوبات. وهنا يكمن السر الكبير.! فمذا عساها تكون تلك العقوبات..؟
بتقديري الشخصي، لا أرى حلولاً جذرية للمعضلة اللبنانية في المدى القريب المنظور. حتى لو جمعت السلطة قواها وباشرت الإصلاحات، فإنه يلزمها وقت أطول بكثير. إذاً ماذا يخبأ للبنان عند انقضاء المهلة..؟ ستتفرغ الولايات المتحدة إلى معالجة قضايا الشرق الأوسط بعد الانتخابات الرئاسية إلى جانب حليفتها فرنسا ومن ورائها الاتحاد الأوروبي. وفي ذلك الوقت سيأتي ماكرون إلى لبنان في زيارته الثالثة ليقول إلى أهل السلطة: لقد فشلتم ولم تتمكنوا من إجراء الإصلاحات المطلوبة وإليكم الحل للمعضلة: كفوا اليد وسنقدم لكم المال لتعويم الخزينة اللبنانية شرط أن نشرف على صرف الأموال بأنفسنا والتأكد بأنها تسير في الوجهة الصحيحة. وفي المقابل تتنازل الحكومة اللبنانية عن حق التصرف بمربعات النفط البحرية لهيئة الوصاية الجديدة المؤلفة من الولايات المتحدة وفرنسا (وربما دول أخرى)، مع الوعد بأن تتعهد هذه الأخيرة بفض النزاع اللبناني الإسرائيلي حول الآبار النفطية وترسيم الحدود البحرية وربما، في مرحلة متقدمة إجراء تقارب لبناني إسرائيلي على غرار ما حصل مع الإمارات المتحدة. وسيتضمن العقد حق التصرف بحقول النفط للوصاية الجديدة بشروط يعينها الفريقان.
أرجو المعذرة إن كان يرى البعض تشاؤماً في نظرتي إلى مستقبل لبنان وأرجو أن أكون على خطأ في تقديري الشخصي بالوصف الذي بينته أعلاه. غير أن الأحداث المتلاحقة التي نعيشها في هذه البقعة من العالم والمفاجآت التي تطالعنا بين الوقت والآخر، لا تبشر بالخير بل تضعنا أمام افتراضات وعلامات استفهام مختلفة أقلها قيام الوصاية (من أجل لبنان)، وهذه هي حالة الغيبوبة في الجسم المريض..
هل سيكون تصورنا الذي أشرنا إليه أعلاه حلاً ليتعافى ويسلم لبنان من الإفلاس والإنهيار أم ضربة استعمارية جديدة للقضاء عليه..؟
الخوف كل الخوف أن تكون المفاجأة الصادمة سقوط الجمهورية في انقضاء مئويتها الأولى..؟