Thursday 26th of May 2022 10:49:57 PM

العجيبة التي ينتظرها لبنان..!

بقلم خالد حميدان
01 آب 2021

بعد أن استنفدت المحاولات الإنقاذية "الكلاسيكية" للحالة الكارثية التي وصل إليها لبنان، أخذ اللبنانيون منحىً آخر في مقاربة الأزمة بشبه الإجماع ويتمثل بالدعاء إلى الله اجتراح عجيبة تنقذ لبنان من محنته على ثبات بأن الوضع بات يحتاج إلى عجيبة إلهية تعيد إليه الأمن والاستقرار.
ويتزامن هذا مع اعتذار سعد الحريري عن تأليف الحكومة، بعد محاولات مضنية طوال تسعة أشهر، وتكليف نجيب ميقاتي الذي أعلن منذ اللحظة الأولى أنه لن يقبل بما رفضه الحريري وكأنه الإيحاء بأننا سندخل بمراوحة جديدة لفترة تسعة أشهر ثانية أو ربما أطول. غير أن أجواء التفاؤل التي تحيط بالرئيس المكلف توحي بغير ذلك ومنها الإشارة إلى الضمانات الدولية التي يحملها لتسهيل مهمته. وكأن الثنائي الأميركي الفرنسي قد حسم أمره بتبني نجيب ميقاتي لرئاسة الحكومة بعد انتظار طويل انتهى باعتذار الحريري.
وبالعودة إلى تصريح ميقاتي الذي أكد فيه أنه لن يقبل بما رفضه الحريري، يمكن القول إذا كان ميقاتي صادقاً فيما يدعيه، فهذا يعني أن رئيس الجمهورية سيواجه معه ذات المشكلة التي واجهها مع الحريري وبالتالي سيواجه الإثنان ذات النهاية أي الاعتذار عن التشكيل. أما إذا اعتبرنا بأن الضمانات الدولية التي يدعيها ميقاتي هي التي تميزه عن الحريري بحيث جعلت تكليفه من عيار أثقل، فالسؤال هو التالي: هل أن الحريري لم يتلقَّ الضمانات التي تلقاها ميقاتي من الأسرة الدولية؟ والجواب سيكون حتماً بالنفي لكون الحريري لم يترك باباً إلا ودقه خلال فترة توليه مهمة التأليف ومن الطبيعي أن يعود مثقلاً بالعهود والوعود. فبالإضافة إلى الدعم الفرنسي الأميركي، كانت هناك زيارات إلى كل من روسيا وتركيا ومصر والإمارات العربية. ولا بد لهذه اللقاءات أن تكون قد أثمرت بشكل أو بآخر..
إذا ما نظرنا إلى المواصفات الواجب توافرها في شخصية الرئيس المكلف تأليف الحكومة، فالرجلان متساويان من حيث المبدأ العرفي (الطائفي). فكلاهما ينتميان إلى الطائفة السنية ويتمتعان بدعم دار الفتوى الإسلامية، كما يتمتعان بضمانات دولية أهمها الدعم الفرنسي في المرحلة الراهنة. إلا أن الحريري قد يتفوق على ميقاتي لكونه الأقوى سنياً باعتراف الجميع. وهنا يطرح السؤال: كيف توافق الطائفة السنية أو دار الفتوى التخلي عن الأقوى لمصلحة الأضعف؟ سيكون الجواب البديهي: الحريري هو الذي اعتذر مما دفع برئيس الجمهورية إلى اختيار البديل وهكذا وقفت دار الفتوى بمواجهة "لا حول ولا" وهنا يكمن بيت القصيد. هل اعتذر الحريري مزاجياً أم أنه اضطر إلى الاعتذار بحيث أُحرجوه فأخرجوه..؟ وفي مراجعة مجريات الأمور قد تتبلور الصورة ونقف على كل الحقيقة.
قيل لنا أو هكذا صور لنا بأن المشكلة العالقة بين رئيس الجمهورية والرئيس الحريري كانت على خلفية توزيع المقاعد الوزارية أو العدد الإجمالي للوزراء ثم اختلاف على الوزارات السيادية والخدماتية ثم اختلاف على تسمية الوزراء أو على الثلث الضامن وخلافه.. وهكذا كانت تمر الأيام والبلد يسير من انهيار إلى آخر وسط إهمال ولامبالاة رسميين، بدءاً من حركة الانتفاضات الشعبية في الشارع إلى سرقة المصارف لأموال المودعين إلى كارثة العصر الكبرى في تفجير مرفأ بيروت، أضف إلى ذلك انتشار وباء كورونا الكثيف في سائر المناطق اللبنانية حتى حلت الكارثة الثانية (نسبياً) في سقوط الليرة وانهيار القطاع المالي الذي أدى إلى إفقار وتجويع معظم اللبنانيين حتى بات الكل يراهن على حل يأتيهم من السماء.!
اللافت للنظر أن المبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس ماكرون كانت هي المرافقة لجميع المراحل التي مرت بها الأزمة اللبنانية مع التأكيد في كل مفصل على أن لا بديل عنها في وقت تخلى فيه الجميع عن لبنان بما فيهم الأخوة العرب. وهكذا ضاقت الخيارات أمام لبنان، فإما القبول بالمبادرة الفرنسية والانصياع لشروطها وإما الاستسلام للإنهيارات المتلاحقة الى قعر المجهول. ولكن يبقى السؤال: لماذا يعتذر الحريري ويفسح بالمجال لميقاتي طالما أن الرجلين يتعاملان بالمعطيات ذاتها..؟ للإجابة على هذا السؤال، نرى ضرورة مقاربته من زوايا مختلفة:
أولاً: على الصعيد الخارجي، إذا كان للحريري أن يؤلف الحكومة بشروط المبادرة الفرنسية، ستطاله حتماً نقمة دولية بسبب المماطلة التي دامت تسعة أشهر. وهذا الأمر قد يؤخر إنجازات الحكومة المرتقبة وتفشّل معها المبادرة، ما لا ترغب فيه فرنسا ومن يدعم مشروعها الإنقاذي.. وقد كان من الممكن أن تلعب المملكة العربية السعودية دوراً في هذا المجال لو أنها لا زالت على موقفها القديم الداعم للرئيس الحريري.
ثانياً: على الصعيد الداخلي، فقد ضاق المواطن اللبناني ذرعاً بالمناكفات التي يمارسها مختلف الأفرقاء على حساب المصلحة العامة إذ يعمل كل فريق على تحميل الآخر مسؤولية تعطيل الحياة السياسية. وستتزايد حتماً النقمة الشعبية إذا ما عاد الرئيس الحريري إلى نقطة الصفر دون أن يحمل تبريراً منطقياً للمماطلة.
ثالثاً: الأوضاع الكارثية التي حلت بلبنان والتي حملت معها الجوع والعوز، جعلت المواطن يكفر بالطبقة الحاكمة ويقبل بأي حل يأتيه ولو من الشيطان. وكان استبدال الرئيس الحريري بالرئيس ميقاتي المخرج الأمثل لحفظ ماء وجه المنظومة السياسية المتحكمة بمفاصل الدولة والإبقاء على "الميثاقية القبلية" بوجه الانتفاضات الشعبية والتحركات المدنية. في تحليل متواضع لما يحصل في لبنان اليوم بالمقارنة مع تطورات المنطقة المتلاحقة، من تسويات وتطبيع مع العدو الصهيوني المحتل، من الملاحظ أن هناك عمليةً مبرمجةً لإفقار اللبنانيين وتجويعهم حتى يرضخوا لأية مبادرة وأي حل يأتيهم من الخارج قد يرفع عنهم آفة العوز والجوع.
وقد جاء تكليفُ نجيب ميقاتي لرئاسة الحكومة في وقتٍ يحتضر فيه الوطنُ وتكثرُ التكهنات حول مصيره وقد بات على لسان معظم أهله التوسل إلى الله اجتراح عجيبة تقي لبنان شر الانهيارات التي تجتاحه. هل تكون الضمانات الدولية أو "الوصاية الجديدة" على لبنان، التي تحدث عنها الرئيس ميقاتي، هي "العجيبة المنتظرة" التي ستعمل على تعويم المالية اللبنانية؟ ربما ولكن.. ماذا سيقدم لبنان بالمقابل؟؟ الواضح أنه ليس من بدل يقدمه وطنٌ مفلسٌ في الوقت الراهن مقابل عملية الإنقاذ المطروحة، وغني عن القول أنه ليس من تقديمات مجانية في تعامل الدول مع بعضها البعض.
الحقيقة أنه ليس في الأفق سوى أن يتخلى لبنان عن استثمارات آبار النفط البحرية المنوي استخراجها لمصلحة "قوى الوصاية" التي ستتكفَّل بتعويم المالية اللبنانية وتسوية الأمرِ العالقِ مع إسرائيل بما تراه مناسباً. أما ماذا سيكون مصير البلد، فلا أحدَ يعلم. "ظُنَّ خيراً ولا تسلْ عن الخبرِ"..؟؟