Thursday 26th of May 2022 11:17:47 PM

تلاقي الثقافات لا يمكن ان يعيقه شيء.. عندما تتوفّر الإرادة!

نسيم هاني
18 ايلول 2021

فجأة.. وبعد أكثر من عشرين عام على عودتي الى لبنان من روسيا، من البلد الذي اكملت دراستي الجامعية فيه واحببته وأقمت فيه لعقد من الزمن، وجدت نفسي مدعوّاً الى كاتدرائية القديس يوسف في الأشرفية وبين الحاضرين لمشاهدة العرض الرائع والمبهر لإحدى أشهر الفرق الروسية العالمية والمعروفة بجوقة دير "سريتنسكي" الشهيرة. العرض الذي اتى من ضمن النشاطات الثقافية التي تقوم بها وزارة الثقافة الروسية بالتعاون مع البيت الروسي في بيروت برئاسة ممثل الوكالة الفيدرالية الروسية للتعاون الدولي والمستشار الثقافي لسفارة روسيا الاتحادية الدكتور فاديم زايتشكوف ومع المعهد الوطني اللبناني العالي للموسيقى.
ويا لها من لحظات فاقت الوصف والخيال!
وجدت نفسي مشدودا الى روسيا، الى البلد الذي اشركته في جزء من حياتي لفترة من الزمن. وفي اقل من لحظة سبحت روحي في سمائه من اقصاه الى اقصاه، محلّقة من فوق مدن الجزء الاوروبي الى مدن اقاصي الشرق الآسيوي مرورا من فوق سيبيريا وغابات "التايغا" وبحيرة "البايكال" وصولا الى حدوده مع الصين ومنغوليا..! وعادت الروح في طوافها الى المدينة التي امضيت فيها نحو سبعة اعوام لتبحث عن ذاتها وتلملم بقايا حكايات متناثرة! أخذتني الذاكرة الى هناك، الى الجامعة، الى مسكن الطلاب في جزيرة "فاسلوفسكي اوستروف، الى المدينة التي احببت، "سانت بطرسبورغ" او "لينينغراد" سابقاً، أعظم وأجمل مدينة في العالم! الى هذا الحدّ وابعد اخذتني اصوات هذه الجوقة الرائعة بأصواتها الملائكية!
كان لافتا الفرح الكبير الذي كان يعلو وجوه افراد الجالية الروسية الحاضرة في القاعة من مختلف الاعمار وقد عبّروا عن فخرهم واعتزازهم ببلدهم الأُم من خلال تفاعلاتهم مع الجوقة التي نقلت اليهم جزءاً من وطنهم. كانت قاعة هذا الصرح الديني والاثري الرائع تعجّ بالحاضرين ولكن دون صخب! وكان جو من الرهبة والخشوع مسيطرا على القاعة، حيث تلاقت عظمة المكان الزاخر بالقداسة والايمان وعظمة روسيا التي جسّدتها هذه الفرقة العريقة بادائها المميّز! وقد انتابني شعور رائع احسست به عندما بدأت تصدح باصواتها دون آلات موسيقية مرافقة وكأنني امام مجموعة من (الفرسان) تغني بفخر وعلى جباههم الشامخة عظمة تاريخ روسيا الحافل بالبطولات. لم يكن هذا الاحساس بالغريب عليّ.. فانا عشت في ربوع هذا البلد العظيم وعاشرت اهله الطيّبين ودرست في ادبهم وفنّهم وتعرّفت على حضارتهم وعلى تاريخهم المجيد. كما شاهدت وعايشت عن كثب الصمود والتحدي عند هذا الشعب وادركت مدى قدرته على تجاوز الأزمات والحروب والمتغيرات الايديولوجية والجيوسياسية بصبر وثبات وارادة قوية دونما رضوخ او استسلام.. لكن ما اثار استغرابي ودهشتي في آن هو ذاك الانطباع الذي تركته هذه الفرقة العظيمة على زوجتي التي رافقتني وشاركتني الحضور والتي لا تعرف اللغة الروسية ولم تزر روسيا من قبل. حيث عبّرت عن تأثرها الكبير بما شاهدته وسمعته في هذا العرض! فقالت لي عندما سألتها: "رغم عدم معرفتي باللغة الروسية لكن احساس هذه الفرقة الصادق واداءهم المبهر وصلني. وهي استطاعت أن توصل اليّ "روح روسيا" بامانة وباوضح الصور، حيث تمكنت من رؤية عظمة روسيا في الفنون والثقافة والادب والتاريخ.. وشاهدت نفسي للحظات وكأنني داخل مسرح "البولشوي" في موسكو اشاهد "بحيرة البجع" ل "تشايكوفسكي"، وفي لحظات اخرى اتنقل في اروقة متحف الارميتاج العظيم وقاعاته الذهبية في سانت بطرسبورغ..! واحسست وانا اشاهد واصغي لهذه الجوقة وكانني في حضرة مؤسس الادب الروسي الحديث، الشاعر الروسي العظيم الكسندر بوشكين او في حضرة اعظم روائيي العالم، الاديب والفيلسوف "ليف تولستوي" في "ياسنايا بوليانا"..! وكنت اشعر في تموجات الاصوات وكأنني امشي في شوارع موسكو او على ضفاف نهر "النيفا"، واتنقل في طرقات مشى عليها في يوم من الايام عبقري الادب الروسي العظيم "فيودور دوستويفسكي"..! وكنت اشاهد العنفوان الروسي في الطبقات الاوبرالية العالية وكأنني اسمع من خلال اصوات افراد هذه فرقة بقيادة المايسترو "نيكون جيلا" صهيل خيول الابطال الذين هزموا نابوليون في معركة "بورودينو" وعلى تخوم موسكو.. ولعل حجارة دير "سريتنسكي" الذي يفوق عمره على ال600 عام، كما قيل لنا، خير شاهد على تلك الحقبة المشرقة من تاريخ روسيا..!" ولا اخفيك، والحديث مازال لزوجتي، "انني رأيت نفسي ايضاً في الساحة الحمراء العريقة، التي كانت شاهدا على مرور المئات من قادة حركات التحرر في العالم، امام قصور وكاتدرائيات الكرملين المبهرة..!"
اذا كانت هذه الفرقة الرائعة قد تمكّنت في غضون ساعة ونصف تقريباً من ايصال "روح روسيا" الى الى المتلقي العربي واللبناني تحديداً، فكيف الحال لو كان هذا التواصل دائم ومستمر؟!
ان تلاقي الحضارات والشعوب لا يمكن ان يعيقة شيء ولا حتى اللغة عندما تتوفر الارادة..
وان الانفتاح الثقافي بين الشعوب هو مدخل راقٍ للحوار وجسر للعبور نحو السلام!    "جبل برس"