Thursday 26th of May 2022 11:33:49 PM

ميخائيل نعيمه والأبله الحكيم (10)

خالد حميدان
02 كانون الثاني 2022

"خالد حميدان" صاحب كتاب "الأبله الحكيم" يروي في مقدمة كتابه قصته مع الكبير ميخائيل نعيمة وما يعنيه العنوان المثير الذي يشرح من خلاله فلسفته في الحياة وتأثره بفكر نعيمة. ونشير هنا إلى أن وقائع هذه القصة كانت بين العامين 1971 و1974 وكتبت في العام 2008 أي بعد 34 سنة على حدوثها، في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب التي صدرت متأخرة لأسباب واردة بين سطور المقدمة.
ونظراً لطول هذه المقدمة، نواصل نشرها على حلقات.
الكتاب: الأبله الحكيم
الكاتب: خالد حميدان
الزمان: 04/06/2008
المكان: تورنتو ـ كنـدا
حكايتي مع الأبله بعد إجراء التعديل عليها، بما يتلاءم مع توصية الكبير ميخائيل نعيمة.

الحلقة العاشرة: تتمة حكايتي مع "الأبله الحكيم" .


لم يكن لقائي بذلك "الأبله" كغيره من اللقاءات العادية المألوفة. ولا الحديث الذي جرى بيننا كان مألوفاً وقد أحدثت كلماته في نفسي ارتعاشاً كالريح التي تنذر باقتراب العاصفة. شعرت بالتحدي يلاحقني.. يستفزني..! وكأنني أخضع إلى امتحان عسير أو سؤال غابت عن ذاكرتي كلمات الجواب عنه أو تبعثرت.. ولم يمضَ وقت حتى لمْلمْتُ ذاتي لأتغلب على التردد والخوف، وقررت مباشرة الرحلة إلى ضمير الانسان عملاً بتعاليم الأبله.. فقصدت "داره" ذات يوم، بالقرب من الساقية، لأغرف من مناهله ومعارفه ما تيسر، غير أنه لم يكن هناك..
فاتجهت في اليوم الثاني إلى ذات المكان ولكنني لم أوفق. فعاودت الكرة في اليوم الثالث والرابع والخامس.. دون فائدة. ولم أفقد الأمل، بل كنت أكرر المحاولات لاحقاً كلما كانت تسمح لي الظروف، علني ألتقيه حتى ولو لمرة واحدة بعد.. فتشت المكان في كل الاتجاهات ولم أعثر له على أثر حتى حملتني قدماي ذات يوم إلى بوابة كبيرة موصدة كأنها الحاجز بين الموت والحياة. فشعرت بأنني اقتربت من "نهاية المطاف" حيث يرقد الأموات في صمت العالم الآخر، وحيث السكون والسلام يرسمان اللوحة الأبهى للمساواة بين أجناس البشر..
وما هي إلا لحظات حتى سمعت وقع خطوات تقترب مني، فارتعشت للوهلة الأولى وكأن قوةً غريبة انتزعتني من لحظة التأمل التي كادت أن تخطفني إلى البعيد، واستدرت باتجاه الصوت وإذا برجل ذي قامة طويلة يتوقف ويسأل: ـ
من أنت أيها الرجل، وما الذي جاء بك إلى هنا؟
ـ إنني أبحث عن معلم ناسك كنت قد التقيته صدفة بالقرب من الساقية.. ـ وأين أنت من الساقية.. إنها على مسافة بعيدة من هنا. ـ ولكنني فتشت في كل الاتجاهات ولم أعثر على ضالتي.. إلى أن حملتني قدماي إلى هذا المكان.. ـ
(مهمهماً) وهل تعني الناسك الأبله..؟
ـ الأبله..؟ ربما.. أجل.. لقد ذكر أمامي أنه كان يُلقب بـ "الأبله".. هل تعرفه؟ ـ أعرفه جيدا وقد بات في عهدتي الآن.. (متنهداً) طيب الله ثراه..
عرفت لتوّي أنني أخاطب "حارس القبور" الذي يتعهد كل الأموات بعد انتقالهم إلى مملكته. فنظرت إليه مستغرباً ومحدقاً:
ـ ماذا تقول..هل..؟ فقاطعني قائلاً:
ـ مع الأسف، إنها الحقيقة التي لا بد منها!. لقد انتقل إلى الناحية الأخرى من "البوابة" ليلتحم مع الصمت الأبدي.. هزّني الخبر ونزل علي كالجليد، ذلك أنه لم يتسنَّ لي اللقاء بالأبله سوى مراتٍ قليلة. وسألت حارس القبور على الفور بسذاجة وعفوية:
ـ وبهذه السرعة..!؟
فنظر إلي عابساً مستغرباً:
ـ ماذا تعني.. بهذه السرعة؟ إنها ثانية واحدة التي تفصل بين الحياة والموت..
ـ أجل.. لا شك وأنك على حق! أرجو المعذرة. (صمت) .. وعدت إلى السؤال: هل جاء الناس لوداعه يوم رحيله..؟ ـ لا! لم يكن في وداعه أحد. لقد نبذه الناس منذ زمن.. إنه الأبله المنبوذ..!
فنظرت إلى صاحب القامة الطويلة وقلت له ببالغ التأثر والهدوء:
ـ بل إنه "الأبله الحكيم"..
وما أن ذكرتُ هذا، حتى جحظت عينا الرجل وقال: ـ لا شك وأنك أنت صاحب تلك الرسائل. لقد أودع الأبله لدي مجموعة من الرسائل وقال لي موصياً قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة: "إنها أمانة أيها الصديق. احفظها لديك ولا تعطها إلا لصاحبها".
ـ وكيف عرفت أنني صاحبها وهو لم يذكر اسماً.. هو لم يعرف حتى اسمي؟
ـ كنت قد سألته الأمر وأجاب على الفور: "ستكتشفه بنفسك". وبالفعل ها أنا أشعر بأنني اكتشفت صاحب الرسائل بنفسي، ذلك إنك أنت الوحيد الذي جاء ليسأل عن "الأبله" بعد رحيله، ولم يسبق أن ذكر أحدٌ كلمة "الحكيم" لقباً له كما فعلت أنت. لقد انتابني شعور أنك الصديق المنشود.
رافقت الرجل إلى حيث يقطن في كوخ بالقرب من "مدينة الأموات" ليسلمني رسائل الأبله الحكيم. نظرت إليها بفرح لا يوصف واستودعته مسرعاً من حيث أتيت للاطلاع على مضمونها، وإذا بها ثلاث عشرة رسالة موجهة إلى الانسان، أي إنسان تطأ قدماه هذا العالم الأرضي، ومذيلة بتوقيع "الأبله الحكيم"، هذا الحكيم "العاقل" الذي رضي بالبلاهة لقباً ليكشف من خلالها مكامن الحكمة والمحبة في الذات البشرية داعياً الناس إلى نصرتها والتمسك بها..
*****
إن الثورة التي كانت تتأجج في صدري ولطالما أحرقتني نارها، ما كانت لتتفجر زخماً وعطاءً لو لم أصادف ذلك ”الأبله المنبوذ“. وتلك كانت مشيئة القدر لأتفلت من قيود السهو والاستسلام التي كبلت انطلاقتي إلى ضمير الانسان، لأعيش في أعماقه وأسامره في خلجات روحه، في حزنه ويأسه، في عزمه وبأسه.. وكان لقائي بالأبله فرحتي الكبرى إذ لقيت نفسي بعد أن تفتتت وتناثرت أشلاؤها. وما عاد يعوزني الإيمان، لقد أضيئت شموع الطريق أمامي إلى قلب الانسان.
كنت ذرّةً من تراب لا شأن لها، تتناقلها أجنحة الرياح شزراً واستهتاراً. ووقفت أمام الريح بعد أن ثبتّ أقدامي في الأرض. فلم أعد ذرة من تراب فأنا بعض هذه الأرض. 
أنا الأرض الثابتة الصامدة بوجه الرياح، لا تسحقها الأقدام ولا تجرفها السيول ولا تفتتها الأعاصير.
أنا الأرض المعلنة بعنادها وصمتها، عن وجودها وعطائها.
سأفتش عن الانسان في كل إنسان وسأدعوه إلى مرافقتي على الدرب الطويل.. فلا قيمة للانسان إن لم يعمل لخير أخيه الانسان، فهو كالغصن اليابس الذي شطرته يد الحطاب عن الشجرة، مصيره إلى النار..
سمعت الحكمة على لسان الأبله فكان لوقعها في نفسي دويّ الرسالة المنزلة، فحملت مشعالها..
وجدت في ضياعه وجودي وفي خموله ثورتي، فاستخرجت من ضعفه قوة ومن يأسه عزماً..
لقيت في إغفائه بصري وفي تشرده حقيقتي، فاستمديت من قنوطه عطاء ومن ظلمته نوراً..
لن استسلم للخوف بعد اليوم إذ لقيت نفسي، وقد عزمت السير على درب الحياة، درب المحبة والعطاء.. وسأوجه ندائي إلى كل إنسان لنسير معاً على هدي رسالة الأبله. الأبله الحكيم !!
وتتالت فيما بعد الرسائل التي استوحيتها من معلمي "الأبله الحكيم" وكانت رسالتي الأولى تلك المبينة أدناه:
أخي أيها الإنسان، تعال نسِرْ معاً على درب المحبة فالمحبة تلد الأبطال.. ونحن نخلق مجتمعنا عندما نخلق أبطالنا.
كن رفيق سفري على الدرب الطويل، فأنا هناك.. على جبين كل مسافر وفـي دمعة كل حائـر فقد لبيت نداء المحبة.. نداء الحياة..!